المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد الرحمن حسين يادم Headshot

كم ذا بمصر من المضحكات؟

تم النشر: تم التحديث:

أجلس كعادتي على مقهى "ريش" المتمركز في وسط البلد، والقريب من عملي؛ حيث ألتقي بأصدقائي المقربين في أول الشهر، أما إذا تخطينا منتصف الشهر نجلس على المقهى الشعبي المُلقى خلف "ريش" بحكم العوامل المادية القاتلة التي نعاني منها بشكل سافر جداً، وإذا كنت من المتواجدين في جمهوريتي الوديعة سوف تشعر بحجم المعاناة.

أنا ما زلت عند فكرتي ودوري الذي فرضته على نفسي وهو الترويج للثقافة وتشكيل الوعي لدى المواطن، هكذا فتحت الحوار مع أصدقائي المُثقلين بهموم الحياة، فلم أجد منهم سوى الإعراض والاستهزاء بالفكرة، وتجلى ذلك في جملة صديقي المقرب، حينما ذكرني بما حدث في الأسبوع الماضي في الجمعية الجغرافية المصرية، ولك أن تطلع على التدوينة السابقة إذا أردت أن تعرف ماذا حدث معي هناك، لكني لن أيأس مهما حدث، وأقررت أن الجميع ليس واحداً، وأني سوف أكون مُخطئأ إذا طأطأت للبيروقراطية المصرية وحكمت بها على كل المؤسسات؛ لذا سوف أبحث مجدداً.

بدأت في إعادة الصيغ البحثية ومحركات البحث عن المؤسسات الثقافية المصرية، وتوصلت إلى لب الدعم الثقافي والقلب الذي يضخ في كل المؤسسات الثقافية، وهو صندوق التنمية الثقافية، لم يمر سوى يومين حتى خطوت بقدمي داخل مقر الصندوق، فوجدت على غير العادة رجلاً أنيقاً مهندم الملابس يجلس في الواجهة، ولا يعير انتباهاً لأحد سوى دفتر أمامه يسجل فيه أسماء وأرقام مجهولة لي بالطبع، فأخرجته من روتينه الممل سائلاً عن العلاقات العامة في هذا المكان، فما منه أن أخذ بياناتي سريعاً، ووجهني إلى مكتب العلاقات العامة.

صراحة شعرت بالاختلاف والتقدير في هذه السرعة الغريبة التي دخلت بها إلى مسؤول، حتى وإن لم يكن برتبة مدير، حسناً المهم أنني عبرت موظف الاستقبال، الآن أستاذ محمد من العلاقات العامة سوف يعقد جلسة معي، ولكن بشكل مختلف؛ لأنني لا أراه، وأجد صعوبة كبيرة في التواصل معه بسبب الكم الهائل من الأوراق المتكومة فوق المكتب وعلى الأرض، بسبب أعمال التبييض التى تتم على الجدران، تباً لقد عرفت سبب السرعة في اللقاء، فالمكان غير مهيأ لشيء سوى العبث والعبوس، ولكن شهادة الحق الأستاذ محمد كان بشوشاً كما كان مُرحباً جداً بفكرة الترويج للصندوق وجهوده في دعم الثقافة، سواء من خلال فعاليات أو دعم المطبوعات أو الترويج للمؤسسات التابعة للصندوق.

استمرت الجلسة مدة ربع ساعة، شرحت فيها الكيفية التي سوف نصل بها إلى المواطن بشكل أسرع وأوسع على مستوى النطاق، فما منه أن أعطاني أرقامه التي أستطيع التواصل معه من خلالها، وأخبرني أنه سوف يتحدث مع الدكتور رئيس الصندوق اليوم في هذا المقترح، وأنني أستطيع سماع الرد منه غداً على الهاتف، وأعرف موعد اللقاء مع رئيس الصندوق، بعد هذا اللقاء شكرت مستضيفي وخرجت متفائلاً بما هو آت.

إذا كنت من محبي الفكاهة فاقرأ الآتي
خمس عشرة مكالمة لم يتم الرد عليها، الأستاذ محمد لا يرد على مدار اليوم، فقلت من الجائز أن الرقم خاطئ، وفي اليوم التالي توجهت إلى الصندوق لأعرف الرد شخصياً، لكن الغريب أني لم أجد الأستاذ محمد، فسألت عليه رجلاً مسناً يحمل من المشروبات ما سخن وبرد، فقال إنه لم يرَه اليوم، وإنني أستطيع أن أعرف أين هو من مكتب السكرتيرة، الرجل كان يقصد سكرتيرة الإدارة الفرعية، أما أنا فدخلت إلى سكرتيرة رئيس الصندوق.

ثلاث خبطات كلاسيكية ثم أعقبتها بفتح الباب؛ لأجد سيدة في أواخر الأربعينيات تتحايل على سنها بكميات كبيرة من البويات التي تحتضن جدران الوجه المشققة، وقفت أمام مكتبها وبادرتها بصباح الخير، فلم تجب واكتفت بالإيماء، فسألتها عن الأستاذ محمد فلم تجب، مما أثار حنقي وفضولي، فأكملت حديثي عن جلسة الأمس مع السيد الغائب اليوم، وإذ فجأة احمر وجهها وغرغرت عيناها، وأشارت إلى زجاجة المياه على المكتب، فهرعت إلى الزجاجة وناولتها إياها، تباً سوف تموت قبل أن تخبرني أين هو الأستاذ محمد.

واتضح لي أن هذه السيدة أخذت قضمة كبيرة من ساندويتش مجهول الهوية أسفل المكتب قبل أن أدخل عليها مباشرة، وبعدما استفاقت من شَرقتها واستحضرت شمسها التي كانت ستغرب ولن تعود مجدداً، قالت: الأستاذ محمد أخذ إجازة، ها... لهذا عرفت سر بشاشته رُغم ما كان من كارثي داخل مكتبه، فأعدت عليها مقصدي من المجيء إلى الصندوق من الأساس، فقالت لي: لا يجوز أن تدخل هكذا إلى رئيس الصندوق، بل يجب أن توقع جواباً من الهيئة التي تتبعها وترسله لنا عبر الفاكس، ثم تتابع مع إدارة المتابعة؛ كي تعرف ما هو الرد المنوط أن تعرفه، وإن كان الأمر يستدعي سوف نحدد لك موعداً مع رئيس الصندوق "ربهم الأعلى".
بعد هذا الرد ندمت أني ناولتها زجاجة المياه، هل تريد أن تضحك أكثر سيدي القارئ؟ لقد فعلت كل ما قالت عليه من إجراءات بيروقراطية وذهبت إلى إدارة المتابعة؛ كي أعرف الرد، لكني للأسف لم أجد رداً شخصياً عما إذا كان طلبي مقبولاً أو مرفوضاً، ولكن لإحقاق الحق كانت هناك سيدة في إدارة المتابعة تتزين بيدها اليمنى وتصافح صديقتي بيدها اليسرى، بعدما قالت نكاتاً سمجة أعطتني بطاقة فيها أرقام الإدارة؛ كي أتابع معهم خلال يومين لمعرفة ضالتي منها، وبعد يومين اتصلت على الأرقام الموجودة بالبطاقة فوجدتها كلها خارج نطاق الخدمة.

لذا سوف أذهب إليهم لمعرفة إذا كنت من المرضي عليهم صاعدي سماء رب الثقافة والصندوق أم لا؟

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.