المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد الرحمن حسين يادم Headshot

إعلام السلطة

تم النشر: تم التحديث:

غريبٌ أمر هذه الدنيا، قد تساوي كل شيء عند البعض ولا تساوي أبداً عند آخرين.
أتت لي وظيفة جيدة في إحدى القنوات المشهورة بمصر، وهي تنتمي إلى القطاع الخاص ومعروف عنها الولاء الكامل للقيادات والهيئات التنفيذية.

كانت الوظيفة تنتمي إلى قطاع المونتاج وأعمال التحكم في الفيديوهات والتقارير التي تعرضها القناة.

لم أتردد في التقديم على سبيل التجربة؛ فقد أقبل أو لا، ولكنها محاولة جيدة قياساً بالراتب المغري الذي سوف أتقاضاه إذا عملت بهذه الوظيفة.

بالطبع، هذه الوظيفة لم تأتِ من خلال التقديم الشفاف وقياس الخبرات، ولكنها أتت من خلال صديق عرض عليَّ الفكرة وأخبر قيادات القناة عني، وقال إنهم سوف يتصلون بك لتحديد موعد؛ لتعرض عليهم ما قمت به سابقاً، فقلت: "حسناً، ليكن هذا الأمر ولكن...".

عند كلمة "ولكن" التي قلتها، رأيت ابتسامة ساخرة على وجه صديقي، لتتحول إلى ضحكات متقطعة يأخذ أنفاسه بالكاد من بينها، "سوف تفعل ما يطلبونه منك يا سيد يادم أياً كان، فأنت مجرد (مونتير) ولست كاتب التقارير أو تاليها، ولا تخفْ فاسمك لن يظهر بخط عريض في نهاية البرنامج ولا أحد من الأساس يركز مع تتر النهاية".

فتبسمت وقلت له: "وما بال ضميري إذا يوماً قال لي تباً لك! لقد ضلَّلت المواطن والوطن، أنت المسؤول عن الخرافات التي يتلوها علينا خرافة، ذاك الضال الكاذب القديم الذي مشى بين الناس بالكذب والادعاء فلم يصدقوه، وقالوا لكل كاذب بعد ذلك: إن كل ما أتيت به ليس كلامك؛ بل كلام خرافة.. إنها خرافات خَرِفة العقل لا تُصدق.. هلا قلت لي ماذا أفعل".

فقال لي: "لا تقلق أيها السيد، ما عليك سوى التجريب وخوض المقابلة، وقل فيها ما تريد، ولكنها فرصة لا تُعوض بهذه السهولة".

فشمرت عن ساعدي ولم أتردد في أن أذهب.. مرَّ أسبوع كامل ولم يكلمني أحد بخصوص الموضوع هذا، ولكن في بداية الأسبوع الجديد وردتني مكالمة من رقم غريب، وكعادتي لا أرد على هذه الأرقام، ولكنه أعاد الكرة بعدها بساعة.

فرددت لأجد صوتاً قوياً يحدثني بشكل مهذب جداً ويستخدم ألفاظاً مثل "معاليك"، "حضرتك"، "سيادتك"، وعرَّفني على نفسه بأنه أحد الإداريين في القناة وترك لي مساحة كي أحدد فيها موعد المقابلة الخاصة بالوظيفة.

وفي الوقت نفسه، سريعاً راجعت مواعيدي لأحدد الموعد الأنسب لي فحددت موعداً بعد يومين، ثم وصف لي العنوان: فيلا "كذا"، شارع "فلان"، قريب من الميدان "الفلاني"، المهندسين.

ولمن لا يعرفه، فهذا المكان الموصوف لي في الهاتف من أرقى المناطق الموجودة في القاهرة، فقلت له: "حسناً، نلتقي في الموعد".

كان الموعد بعد يومين من المكالمة الهاتفية، فأخذت أفكر فيما سوف أقدمه لهم من فيديوهات، فكل ما لديَّ من أعمال يغلب عليها الطابع الديمقراطي وتقارير عن فساد التعليم وتجسيد الثورات.

وكل هذا لا يتوافق مع سياسات القناة، التى لا ترى سوى إيجابيات النظام الحالي والسب في أعدائه، وما لديّ قد يجعلهم يظنون أنني من المغيَّبين والمضحوك عليهم الذين قاموا بثورة يناير.. تباً.. تباً لي فيم أفكر؟!

هذا الموقف الذي وُضعت فيه ذكرني بمشهد من فيلم "عايز حقي" للفنان هاني رمزي؛ حينما كان يريد أن يبيع حقه في البلد، فقابله المبدع عبد المنعم مدبولي وقال له: "بِيع يا عواد".

نعم، الموقف نفسه يحدث لي، ولكني سوف أبيع حقي في اقتناء الضمير، سوف أبيع ضميري وأصمم فيديو يجرِّم الديمقراطية إذا تعارضت مع خطط الزعيم، سوف أكتب تقريراً وأتلوه بصوتي؛ لأوضح للجميع كيف نحارب أعداء الوطن ونقتلهم ونزج بهم في السجون حتى وإن كانوا فقط يريدون حقهم في معرفة من باع الجزر المصرية ولماذا يبيعها وبأي حق يرتكب هذا الجُرم.

هل سأبيع ضميري وأفعل ما يقولون لي، سر يميناً فأسير، وسر شمالاً فأسير، كل ما تقولونه هو الحق وما دونه ضلال، مرحباً بكم داخل عقل عواد.

قديماً، كان هناك مصطلح "اللاهون في العرصات"، وهو يدل على الصبية الصغار الذين كانوا يلعبون في عرصة المنزل، والكبار الذين يتبادلون الحديث فيها.

و"العرصة"، هي مكان واسع داخل المنزل وهو مثل الصالة حالياً، فكانت محل اللعب والكلام والسهاري، وكل من يجلس فيها لا يذم في أصحاب البيت وإنما يطيب الكلام فيهم؛ لأنه يجالسهم في عرصتهم، هل سأكون لاهياً في العرصات؟ أم سوف أعود إلى ضميري؟ يومان وأعرف من أكون.

"ما هذا العبث؟! أنت جيد في العمل التكنيكي، ولكن الفكر سيئ مليء بالتشوه وتزييف الحقائق ضد البلد وضد الفكرة الوطنية العامة".. هذا ما أتذكره من المقابلة، رجل لديه ندب عميقة في جبهته، وزنه يقارب الـ150 كيلوغراماً، بشرته داكنة وسنّه تقارب الخمسين، ومن صوته وطريقته أشعر بأنه خادم في معبد أمون بمسلسل "يوزرسيف" الإيراني.

بعد أن أخذت درساً في الوطنية الأوتوقراطية المُغيِّبة لعقول تابعيها، شوَّح لي ذاك العملاق بيديه وقال لي بلهجة يريد منها طردي أكثر من مجرد إنهاء المقابلة: "اتفضل.. اتفضل يا أستاذ وإحنا هنبقى نكلمك".

وأنا خارج من هذه المقابلة شعرت بأنني منتصر في أكبر معركة خُضتها بحياتي ضد جيوش هرقل المحمَّلة بالجهل واللامعرفة والوعي الكاذب، ثم أخرجت هاتفي الجوال وبعثت لصديقي برسالة مكتوب فيها:
قف دون رأيك في الحياة مجاهداً .. إن الحياة عقيدة وجهاد
(أمير الشعراء أحمد شوقي)

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.