المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد الرحمن حسين يادم Headshot

أين هو الله؟

تم النشر: تم التحديث:

كان هذا السؤال يراودني كثيراً في صغري، ويحوم في خاطرتي دائماً وقت الصلاة، هل فعلاً الله يقف أمامي وقت الصلاة؟ هل الله فعلاً يترك كل هذا الكون الواسع ويقف أمام مجموعة صغيرة أو حلقة ضيقة تذكره؟ هل سندخل الجنة يا أبي؟ كان يرد أبي في رتابة وحفظ لما سيقوله بأنني سأدخل الجنة إذا صليت وصمت وتعبت من أجل إرضاء الله -عز وجل- فقطعاً سوف تدخل الجنة، أنا اتخذت هذه الإجابة على أنها الحقيقة المؤكدة التي لن أضطر إلى مراجعة أبي الحكيم فيما يقول، فإن الله يحبني وأنا أعبده، ويغضب حينما أبتعد عن طريق عبادته، ولكن هل الله سيغضب من أمر تافه مثل هذا؟ فقد سمعت الشيخ في المسجد يقول إن الدنيا لا تساوى عند الله جناح بعوضة.

حسناً إذا لماذا سوف يغضب الله مني وأنا واحد من المليارات التي تعيش فوق جناح البعوضة؟ ولما كبرت قليلاً كنت أفكر في أني مؤمن بأن الله موجود، وأنا مؤمن بالدين الوحيد الصحيح -كما كان يُقال لي- وأصلي وأصوم وأفعل كل ما يُرضي الله العظيم، فما بالك بالناس الذين لا يعبدون الله ولا يعترفون به، فهم قطعاً سيدخلون النار، ويعذبون أشد العذاب إلى جانب هؤلاء الناس الذين لا يتبعون ديننا، فهم أيضاً سيدخلون النار؛ لذا حمدت الله على أني سوف أدخل الجنة؛ لأني أتبع النهج الصحيح، وهذا الفكر تدرج لدي من المنزل في البداية، ثم المدرسة الخاصة التي كانت فقط للمسلمين، ولن أقول الشارع والجيران؛ لأنني لم أكن أحب الاختلاط مع من لا أعرفه حق المعرفة، عدا جارتنا القريبة جداً من المنزل التي كانت أمي تلقبها بـ"العايقة"؛ لأنها لم تكن محجبة ودائماً تضع المساحيق على وجهها.


كبرت قليلاً وبدأت تظهر شخصيات جديدة في حياتي المغلقة بدايتها كان "أندرو"، وهو الولد الهادئ المتقارب مني في المستوى التعليمي والاجتماعي والاقتصادي، وكانت بداية الحوار مفجعة بالنسبة لي، فقد قال لي إنه يصلي كل يوم وهو متدين جداً ويعلم تمام العلم أنه سوف يدخل الجنة؛ لأنه يمارس كل الطقوس الدينية، ويدعو الله مثلي ويذهب إلى الكنيسة الأحد، وأنا أذهب إلى المسجد الجمعة، وهو دائماً يذكر الله بالخير والمحبة، وهو الأمر الذي أعجبني فيه بأنه يحبني ويحب كل الناس، ولكنه يعتقد أنه يسير وفق العقيدة الصحيحة، وبدأ يكلمني عن أناس يحرفون ويدلسون على الدين ويتآمرون، وقال كلمة غريبة أنا لم أفهمها ولم أعره أي أنتباه، حينما قال "بروتستانت"، فأنا عن نفسي أعرف أني الأصح، وأنا ومن هم مثلي سوف يدخلون الجنة.

صراحة أنا لم أكمل في صداقة هذا الولد؛ لأنه كان يكذب عقيدتي، وأنا لم أقبل ذلك وكيف هذا وأنا ومن نتبع تلك العقيدة وحدنا من سندخل الجنة؟! فقد دار حوار حامي الوطيس بيني وبينه على أن المسيح لم يُصلب، وهو يصر على أنه صُلب، وأخذ الحوار يتصاعد، فأنا أقول عيسى، وهو يقول يسوع المسيح، حتى جاءت فكرة من روح الله إلينا، وهي أنه من الجائز أن يسوع غير عيسى الذي أقصده، وأغلقنا الموضوع في حصة الألعاب المقيتة التي لم ننزل فيها إلى الملعب بحجة عدم إتلاف النجيل، سُحقاً لذاك الفراغ الذي أوقد نار الصراع المذهبي لدى طفلين.


والأكيد في الأمر أني رجعت إلى المنزل؛ كي أستزيد من معلوماتي حول ذلك الموضوع، وقطعاً فعل أندرو كما فعلت أنا، والنتيجة هي عدم جلوسنا معاً بعد ذلك، وكما قال مدرس اللغة العربية، حينما سألته في هذا الموضوع "لكم دينكم ولي دين"، وهذا ما أثار فضولي القديم، فكيف هناك دين غير ديني وعقيدتي؟ وكيف يؤمن ديني بهذا الدين؟ وأقررت بأن في الأمر مكراً في تنشئتي، ويجب عليَّ أن أبحث عن الحل في هذا التضارب العقائدي، ولكن لم أعرف كيف أبحث؛ لأن الامتحانات أتت لتعكر صفو أي طالب بأي دين يعتنقه، فالامتحانات لا دين لها.


استمرت حياتي في النضوج، وفي كثرة القراءة والكتب التي بدأت في اقتنائها عن غيرها، وهي كتب مضمونها يصب في الإيمان بالحق أياً كانت صوره، والإيمان بالإنسان مهما كانت ملامحه، بالإضافة إلى الإيمان بالآخر، ولكن نزعة أين هو الله ما زالت لم تُشبع، فهل فعلاً الله في المسجد؟ في الكنيسة؟ في المعبد؟ أين هو الله؟ قد يكون الله فكرة في قلوبنا، وهي فكرة التوحيد به، فهذه الفكرة هي الغالبة منذ الأزل، وهي أن الله واحد.. نعم الله واحد، ولكن نحن لسنا واحداً، ولكن لما الله لم يخلقنا متشابهين ومؤمنين على دين واحد، ونعبده هو الواحد، فهو يستطيع أن يفعل ذلك ويفعل الكثير؛ لأن الله الذي خلق الدنيا ومن عليها يستطيع أن يوحدها ويجعلها جميعاً مؤمنة، مثل الملائكة، ولكن الله العظيم يريدها كما هي الآن لذلك لم يغيرها.

في بداية ترسخ فكرة قبول الآخر لدي كانت نظرة الواثق من أنه هو الذي سيفوز في النهاية، كأنني ذاك الشخص الذي يمتلك الواسطة والمحسوبية في الدول النامية، فأقول في نفسي: نعم نعم أعرف أنهم لديهم أديانهم وطوائفهم التي يقدسونها على أنها الوحيدة الصحيحة، والتي سوف يدخلون بها الجنة، وفي نفس الوقت ابتسمت تلك الابتسامة التي يظهر من خلالها أسنان تشف عن لمعة الزهو والكبر، كأني أجبت عن السؤال الذي حير كل الفصل، وأخذت درجتين من درجات أعمال السنة، وكانت الإجابة أننا مضحوك علينا، لكن لسوء حظي أني لم أكن آخذ درساً عند المعلمة التي سألت السؤال، وبالتالي لم أصبر حتى فكرت بعمق شديد في سؤالي الإلحادي من جديد أين هو الله؟


فوجدت الإجابة التي أراحتني وهي أن الله داخلنا، ونحن لا ندري أبداً لما الله معذبنا؟ فلمَ لم يخلقنا ملائكة! كي لا نخطئ ولما لم يخلقنا شياطين! كي نعصيه اتباعا لكبيرنا الكافر بالجنس البشري الذي خلقه ربه ليتوب ويعصى ويتوب، إنه السر في أين هو الله، إن الله في قلبك وأنت تجهل؛ لأن الله في قلب الملحد ولكنه يسير غافلاً عن قلبه، ويتبع هوى عقله، والقلب ينتظر التوبة فكلنا خُلقنا لنتوب.. توبوا إلى قلوبكم توبوا إلى الله.

لا تعتقد في كفري وإلحادي مصيبة، فقد أكون المؤمن الأقرب إلى الله، ولي كرامات وأنت لا تدري، فقد أكون محباً والحب دين القلوب.
"أدين بدين الحب أنّى توجهت ركائبه" - ابن عربي

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.