المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد المجيد سباطة Headshot

أحبها.. فصنعت منه إمبراطورا!

تم النشر: تم التحديث:

دعونا نعود قليلا إلى الوراء، لنسافر مرة أخرى إلى فرنسا، لكن في نهاية القرن الثامن عشر هذه المرة.. ثورة، اضطرابات، اعتقالات، محاكمات صورية، اغتيالات، إعدامات، وأجواء مقلقة من الرعب وعدم الاستقرار.

تم تنفيذ حكم الإعدام بحق الجنرال فرانسوا دي بوهارني الذي كان يشغل منصبا قياديا في أعلى هرم الدولة، وبأعجوبة نجت زوجته روز من المقصلة، رغم مساندتها الصريحة للنظام الملكي المنهار، وتم الاكتفاء بسجنها، هي التي وجدت نفسها بين عشية وضحاها أرملة وأما لطفلين. بعد فترة وجيزة، استخدمت روز شبكة علاقاتها المتعددة، وتمكنت من مغادرة السجن بعدما تم إتلاف وثيقة إصدار القرار باعتقالها، فعادت إلى ولديها على أمل عيش حياة هادئة باذخة بعيدة كل البعد عن وحل السياسة، لكن القدر أعد لها مصيرا مغايرا، المصير الذي جعلها بطلة واحدة من أشهر قصص الحب المعقدة والملتهبة في العصر الحديث.

في 15 أكتوبر 1795، جمع عشاء فاخر بين روز وباراس، النبيل الفرنسي وأحد كبار قادة مرحلة ما بعد الثورة، وهنا قدم لها باراس شابا فرنسيا في السابعة والعشرين من عمره، يعمل ضابطا مرموقا في الجيش الفرنسي، لغته الفرنسية تغلب عليها لكنة إيطالية، وتشي هيئته وملامحه بالذكاء المتوقد والطموح اللامتناهي. ولد هذا الضابط في جزيرة كورسيكا في 1769 بعد عام من انضمامها لفرنسا، سليل أسرة من النبلاء الإيطاليين. التحق في التاسعة من عمره بمدرسة عسكرية فرنسية، وتخرج منها سنة 1784 ليدخل الكلية الحربية الملكية في باريس، حيث أنهى دراسته في عام واحد بدلاً من عامين نظراً لنبوغه وذكائه الحاد. ليبدأ حياته المهنية وهو في السادسة عشرة من عمره.

sia

اسم هذا الشاب هو نابليون، نابليون بونابرت.وتعددت بعد ذلك اللقاءات بين الأرملة والضابط.

لم تكن روز صاحبة جمال خارق، لكن أحدا لم يقل إن جمال الشكل وحده قادر على خطف قلوب الرجال، فكانت جاذبية المرأة الثلاثينية ووجها الهادئ كافيين ليوقعا نابليون في غرامها، ليتزوجا مدنيا في 8 مارس 1796، رغم أن روز كانت تكبر نابليون بستة أعوام، والطريف هنا أن كلاهما كذب في الإعلان عن سنه، عندما نقصت هي أربع سنين من عمرها وأضاف هو عامين إلى سنه الحقيقي!

ولأننا هنا أمام حبيب غيور محب للتملك، قرر نابليون تسمية زوجته بجوزفين عوض روز اسمها السابق، في محاولة لفتح صفحة جديدة في حياة حبيبته، يقطع بها كل صلة لها بحياة قديمة تميزت بتعدد العلاقات مع الرجال من علية القوم بحثا عن الشهرة والنفوذ والثروة.

يوما واحدا فقط بعد زواجهما، تمت المناداة على نابليون للحاق بالجبهة الإيطالية كقائد للقوات الفرنسية هناك، لتبدأ المراسلات المحمومة بين الزوجين، ولو أنها في الواقع كانت في أغلبها مراسلات من طرف واحد، عندما أظهر نابليون موهبة أدبية فذة إلى جانب عبقريته العسكرية، عبر رسائل بث فيها أشواقه وإحساسه الصادق بالوحدة بعيدا عمن خفق لها قلبه، وقد نشرت هذه الرسائل فيما بعد للعرض في مزاد علني عام 2007 بمبلغ 409 آلاف يورو، كانت هذه أشهرها:

"لم يمض يوم دون أن أحبك، لم أقض ليلة دون أن أفكر فيك، لم أتناول فنجان شاي دون أن ألعن المجد والطموح اللذين يجعلاني بعيدا عن روح حياتي. وسط انشغالاتي، وأنا أقود الجنود، وأجوب المعسكرات، وحدها عزيزتي جوزفين تقبع في قلبي، تحتل روحي، تشغل تفكيري. إذا كنت قد ابتعدت عنك بسرعة جريان نهر الرون، فلكي أعود بسرعة لأراك، إذا كنت أستيقظ ليلا لأعمل، فلكي أستعجل عودتي لرفيقة عمري الرقيقة..."

aad
تنصيب نابليون إمبراطورا عام 1804


وافقت جوزفين على اللحاق بنابليون إلى إيطاليا، ورغم صعوبة الظروف التي تم فيها اللقاء بسبب اشتداد الحرب، إلا أن حضورها كان مثل البلسم على روح بونابرت الباحثة عن أنامل تخفف عن القائد العسكري ضغط المعارك الضارية. ولأن قدر جوزفين أن تكون زوجة قائد لا يكاد ينفض الغبار عن بزته العسكرية، فقد عاد نابليون من إيطاليا ليبدأ التحضير مباشرة لحملته الشهيرة على مصر، والتي جرت أطوارها بين عامي 1798 و1801. حملة حدث فيها ما حدث، انتهى حكم المماليك، وانكسر جيش نابليون على أسوار عكا بعد تدخل الإنجليز، وتهامس الجميع بوجود علاقة مبهمة بين نابليون وفتاة مصرية، ردا على ما قيل إنها علاقة غامضة بين جوزفين وأحد الضباط الفرنسيين الشباب.

ولأن تداخل السياسة والحب كان حاضرا دائما بين تفاصيل هذا الزواج، فقد ساندت جوزفين نابليون بعد عودته من مصر واعتذارها عن كل حماقاتها السابقة، وقررت الوقوف بجانبه في سعيه للاستيلاء على الحكم في فرنسا التي كان شعبها مفتونا بانتصارات بونابرت، فتم الإعداد لذلك في منزل جوزفين، ونجح بالفعل في الوصول إلى مبتغاه عام 1799، كقنصل أول للبلاد.

لكن يبدو أن طموح الزوجين كان أكبر من ذلك بكثير، فبعد سنوات قليلة، وانتصارات عسكرية كبرى في إيطاليا والنمسا وألمانيا وسويسرا وبلجيكا مع موطئ قدم في أمريكا، تم إعلان نابليون إمبراطورا عام 1804، في لقطة شهيرة قام خلالها بتسلم التاج من البابا وارتدائه كدلالة على تنصيبه نفسه بنفسه، ثم سلم تاج الإمبراطورة لجوزفين، تميمة حظه، العاشقة المحبة التي وقفت بجانبه حتى اعتلى أقصى درجات المجد لتبدأ بذلك مرحلة فاصلة امتزج فيها مصير هذا الزواج بمستقبل أوروبا!

شيئا فشيئا، بدأت الهمهمات تتوالى عن مستقبل الإمبراطورية، فبعد سنوات زواج طويلة، لم تتمكن جوزفين من إنجاب طفل من نابليون، يكون وريثا للعرش بعده، ولأننا في عصر مختلف تمام الاختلاف عن العصر الحالي، فقد تم تحميل المرأة السبب، وفي غمرة نشوة نابليون وسكرته ببريق السلطة، قرر الانفصال عن زوجته والارتباط بأخرى! كان وقع قرار الطلاق شديدا على جوزفين، التي سقطت فاقدة الوعي غير مصدقة، قبل أن تستجمع قواها وتسترد كبرياءها مغادرة القصر وملتحقة بإقامة خصصها لها نابليون الذي حاول معاملتها بنوع من التعاطف، رغم أن ما كسر لا يمكنه أن يعود أبدا كما كان.

تزوج نابليون من الأرشيدوقة النمساوية ماري لويز، التي أنجبت بالفعل وريثا للعرش عام 1811، سماه نابليون فرانسوا شارل جوزيف. هنا اتفق كل المؤرخين على أن طلاق نابليون من جوزفين كان بداية النهاية لأسطورته، فقد قاده وهم القوة والاطمئنان إلى وراثة عرشه إلى تحريك جيش هائل من 600 ألف رجل إلى روسيا لاحتلالها عام 1812. طبقت روسيا سياسة الأرض المحروقة، واستدرجت الجيش الضخم إلى عمق الأراضي الروسية حتى وصل إلى موسكو التي أحرقها الروس قبل الانسحاب منها، فوقع الجيش الفرنسي ضحية البرد والجوع والأمراض، ودمر تماما، لدرجة أن ال 600 ألف رجل لم تعد منها سوى بضعة عشرات آلاف فقط!

شجعت هذه الهزيمة كل الممالك المتربصة على إعادة جمع شتاتها من جديد وتوجيه سلسلة من الضربات القاصمة لنابليون، لا يتسع المجال هنا للحديث عنها، ضربات عجلت بانهيار إمبراطوريته وحرمانه من ابنه الذي عاد رفقة والدته إلى بلدها النمسا، لتنتهي الأسطورة فعليا بهزيمة واترلو الشهيرة ضد القوات البريطانية، ونفي بونابرت إلى جزيرة سانت هيلانة التي ودع فيها الدنيا عام 1821.

أما جوزفين فقد رحلت بهدوء عام 1814 متأثرة بمرض ألم بها، وانكسار قصة حب معقدة ألهبت مشاعر الكثير من الأدباء والباحثين عبر التاريخ، بدأت بعشق حقيقي ما زالت الرسائل شاهدة عليه إلى يومنا هذا، قبل أن تفسدها حسابات الربح والخسارة في لعبة الحكم التي لا مكان فيها لعاطفة أو حب!

- تم نشر هذه التدوينة في موقع مدونات الجزيرة

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.