المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبدالمجيد المجيدي Headshot

كيف نفهم الهجرة وقدرتها على تشكيل واقع إسلامي في فرنسا؟

تم النشر: تم التحديث:

كان المهاجرون من الجيل الأول مؤمنين، لكن لم يكن في نيتهم فرض شعائرهم في الحياة العامة، أو التفكير في المطالبة بحقوق دينية.

كان إظهار التدين لا يثير انتباه المجتمع الغربي، الذي يعتبر العمال المهاجرين أجانب، وليسوا مسلمين أو ممثلين للإسلام.

سؤال الظهور الديني عند مسلمي الهجرة بدأ رويداً رويداً مع عمليات التجمع العائلي؛ حيث بدأت أنشطة تثقيف الأبناء، كما دفعت عدم الأهلية عند بعضهم إلى اتخاذ الإسلام في وقت لاحق وسيلة للمطالبة الاجتماعية والسياسية.

كان التفكير في الاندماج في المجتمع عبر طلب الجنسية عند بعض مسلمي فرنسا يعد من كبائر الدين.

لقد كان الجيل الأول من المهاجرين لا يميز بين المعتقدات الدينية وحقوق المواطنة.

في سنوات السبعينات، كان المهاجر كاتماً لإسلامه، يخفي صيامه وقيامه وآراءه حول المجتمع الأوروبي، لكن في سنوات التسعينات ظهر الخطاب الإسلامي بلحيته السلفية وجلبابه الأبيض وبلهجة قوية قادمة من الشرق، على حد تعبير أوليفي روا.

ولأن عملية الاندماج بما هي سيرورة لتقاسم ثقافتين تتطلب حسب الخبراء وقتاً طويلاً يراعي عاملين أساسين: عمر المهاجر وثقافته الأم، فقد انتقل الإسلام من دائرة الخاص والعشيرة المقربة إلى البلاغ العام في الفضاء الأوروبي، الذي كانت فلسفته ترى في الهجرة نوعاً من السخرة التي توفرها المستعمرات السابقة لفرنسا.

الحضور الإسلامي في الفضاء الأوروبي واقع لا يمكن تجاهله، رغم الغبن والاحتراق النفسي الذي قد يصيب بعض المفكرين الغربيين عندما يصرحون بأن ارتفاع عدد المسلمين في الغرب سيكون منبع الكراهية ضد المسيحيين الأوروبيين، حيث يعتقد رفاييل ليوجي في كتابه أسطورة الأسلمة، أن كراهية المسلمين للغرب هو تجسيد لرغبة أميركا في سحق أوروبا تحت حذائها.

وهكذا يرى الغرب في الحضور الإسلامي نوعاً من الغزو الجديد، ويتخوف من مستقبل الإسلام في أوروبا بالنظر لمعطيات ديمغرافية وأخرى جيوسياسية ستجعل من المسلمين قوة ضاربة في عمق الحداثة الأوروبية.

تصريحات زعيمة اليمين المتطرف الفرنسي عام 2010 بأن الصلاة في الشوارع تشبه احتلال الأراضي الفرنسية، يندرج في إطار الاعتراف الضمني بوجود معالم الحضور الإسلامي في الواقع الأوروبي.

فإذا كانت فلسفة الأنوار الأوروبية وثقافته الليبرالية تتأسس على تعاقد الدولة مع مواطنيها، وتجعل من كل فرد في المجتمع أساساً للجسم الاجتماعي، يعبر عن الإرادة العامة للشعب أو الأمة، فلا يزال كثير ممن ينهل من هذه الحداثة الأوروبية يعتقد بالمفهوم القاعدي لإشكالية صدام الحضارات.

يعتبر أوليفي روا أن الثقافة هي العامل الذي يسمح للدين أن يشكل مجتمعاً، بل حتى عقلية، فالحضارات هي دينية في جوهرها، حتى لو كانت ذات طبيعة زمانية تفصل ما هو ديني عما هو دنيوي.

نقرأ الخلفية التاريخية لخطاب الكراهية والرفض وضيق الأفق الاستيعابي في ثنايا الخطاب الاستعماري لملك فرنسا لويس الثالث عشر.

في دراسة لعبد العال حجاج عن حدود الهوية يتحدث لويس الثالث عشر عن المستعمرات الفرنسية في خطاب مارس/آذار عام 1646، بقوله: إن المتوحشين يمكنهم أن يصبحوا طبيعيين بشرط أن يدينوا بالمسيحية. حسب هذا الرأي، فإن الاعتناق الديني مرادف للاندماج الاجتماعي. يجب أن تكون مسيحياً من أجل أن تكون عضواً في جماعة الطبيعيين وليس فقط عضواً في جماعة المؤمنين.

في السادس من يونيو/حزيران العام الماضي (2016)، تناقلت مختلف وسائل الإعلام الفرنسية خبراً تحت عنوان: اعتداء على نادلة تقدم الكحول في رمضان؛ إذ أوردت أن مهاجراً غير شرعي من أصل تونسي قام بالاعتداء على نادلة في حانة بمدينة نيس؛ لأنها قدمت الكحول في اليوم الأول من رمضان.

اعتبرت تلك المنابر الإخبارية أن هذا الحادث هو تصرف للترهيب، يذكر بما وقع لخباز في نفس المنطقة، كان يبيع الوجبات السريعة التي تحتوي على شرائح الخنزير.

أما في ردود الفعل السياسية، فقد اعتبر إيريك كيوتي، النائب الجمهوري ورئيس مجلس جهوي، أن هذا الاعتداء يندرج في سياق وطني يتسم بتزايد التعصب الديني وارتفاع الطائفية، ويضرب قيم الجمهورية.

أما فلوريون فيليبو الرجل الثاني في الجبهة الوطنية فحذر من أن فرنسا تنزلق نحو الظلامية.

هذه البروباغندا تكشف أن بعض الغرب ما زال يرى في حضور الإسلام، بحكم أنه دين متميز بطقوسه وشعائره التعبدية، مخزوناً "خامّ" للتوترات والاضطرابات داخل فضاء الحداثة الأوروبية.

غير أن هذه الفكرة لا تجد لها أسناداً علمية في البحوث الميدانية والاستقصاءات الفرنسية.

في عام 2012 وعلى خلفية طرد منشطين مسلمين من مركز للترفيه المدرسي، أنجزت الباحثة فاطمة عاشور دراسة ميدانية على عينة من المسلمين المقيمين في فرنسا، تقيس وعيهم للدائرة الخاصة بتدينهم وفضاء الالتزام بالقواعد المهنية داخل مؤسسات الدولة الفرنسية.

أثبتت النتائج أن الفئة المستهدفة من المسلمين يفرقون جيداً بين الدائرة الدينية ودائرة المواطنة وفضاء العمل، وخلصت الدراسة في الأخير إلى أن الحضور الإسلامي منذ عشرات السنين، يبرهن على أن الثقافة الإسلامية متلائمة مع الديمقراطية والعلمانية، فكان من بين التوصيات وجوب تجنب الحكم على المسلمين من خلال إسلامهم، ولكن حسب سلوكهم في المجتمع.

إن فهم هجرة العمال المغاربيين كلحظة تاريخية ممتدة في الحاضر، أنتجت واقعاً إسلامياً في الواقع الفرنسي، يستدعي التجاوز المتعالي للاندماج النظري إلى مستوى تحيين آليات الاندماج المؤسسي لفضاءات التدين، والارتقاء بالوعي الأوروبي من التمثلات الساذجة عن الظاهرة الإسلامية إلى الإدراك الطبيعي لجوهرها الرسالي، ووصلها برحابة الحداثة الأوروبية.

بمعنى أن مناولة الظاهرة الإسلامية يجب أن ينطلق حسب الخبيرة في علم الاجتماع النفسي جونفييف فنسونو، من مفهوم الالتزام الديني المدني الذي يقترح التحقق من البعد الديني الكلي، بالكشف عن المجال الاجتماعي الذي تتطور فيه الموضوعات الدينية.

وبالتالي فالتجربة المتولدة عن الدين هي من يجب أن تكون محل الملاحظة، انطلاقاً من مجموعة من المؤشرات الفنومينولوجية الأساسية.

ذلك أن الظاهرة الإسلامية بنية مركبة وطارئة على المجتمع الغربي، تستدعي معالجة استثنائية من حيث المفاهيم والنظريات ومناهج البحث، التي تمكن من إيجاد قواعد النشوء والتكون للظاهرة الإسلامية، والوعي بحضورها في السياق الأوروبي، من أجل إضفاء معاني ودلالات تساهم في تيسير عمليتي الاندماج والاستيعاب، وإكسابها ماهية الانسجام والملاءمة، وإتقان فن التموقع الاجتماعي، أي الاشتغال بشكل قصدي على مستوى الوعي.

إنه "تواصل واعٍ بين الذوات" لأجل "الخروج من النفق نحو الأفق"، على حد تعبير أدونيس.

أعني بسفر الخروج ذلك الانتقال من نفق "الأنا" المعصوم، وكيل الله في أرضه وخازن النار، إلى أفق "الأنا" المواطن، والإنسان الواعي بزمانه ومكانه الأوروبيين.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.