المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد اللطيف الحاميل Headshot

الثقة أولاً..

تم النشر: تم التحديث:

لو أردنا أن نرد كل العوامل التي ساهمت في إفشال الانقلاب على الرئيس التركي رجب طيب أردوغان منتصف شهر يوليو/تموز الماضي، إلى عامل واحد يحتوي كل العوامل الأخرى، لقلنا بدون تردد إنه عامل "الثقة".

نعم، إنها الثقة هي التي جعلت الشعب التركي يخرج إلى الميادين بصدور عارية، دقائق بعد توجيه الرئيس نداء عبر شاشة هاتف خلوي. وهي نفسها التي جعلت المعارضة، رغم اختلافها مع أردوغان، تسارع إلى إعلان تمسكها بالشرعية، وهي نفسها -الثقة- التي جعلت جزءاً مهماً من الجيش والشرطة يرفض المشاركة في الانقلاب ويقدم شهداء للحافظ على الإرادة الشعبية.

ولكي نفهم أهمية هذا المفتاح السحري الذي فتح قلوب التركيين، مواطنين ومؤسسات، وجعلهم يلتفون حول رئيس دولتهم في أحلك الأوقات، لنستمع لهذا الحوار بين الفيلسوف الحكيم كونفوشيوس وتلميذه "هو تسي كوج". هذا الحوار، الذي جرى قبل حوالي 2600 سنة، فيه ذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.

سأل "هو تسي" معلمه "كونفوشيوس" عن أهمية السياسة، فرد عليه الحكيم بكون أهميتها تتجلى في توفير الطعام والسلاح والثقة، وشرع كونفوشيوس يشرح ذلك حتى أكمل، ليتفاجأ بسؤال "هو تسي" عن الشيء الذي يمكن للحاكم أن يتخلى عنه أولاً، فجاء الجواب "السلاح"، ثم سأل التلميذ عن الشيء الثاني الذي يمكن الاستغناء عنه بعد ذلك، فرد كونفوشيوس الطعام، لأنه بدون ثقة بين الحاكم والمحكوم لا يبقى أساس للدولة.

في عام 2011 كان الملك محمد السادس أمام أصعب امتحان منذ توليه العرش في سنة 1999. كان الربيع الديمقراطي يحل ضيفاً ثقيلاً على دول المنطقة ولا يغادر إلا والأنظمة "الحديدية" تتساقط كأوراق الخريف. في هذه المرحلة ولد مغرب جديد، ولد بعد محاولات كثيرة لإجهاضه.

هذا الانتقال من فترة ما قبل إلى فترة ما بعد في تاريخ المغرب المعاصر لم يأتِ من فراغ وهناك عوامل كثيرة جداً ساهمت في ميلاده لا يتسع لها المقام هنا، لكن لعل أبرزها هي الثقة.. نعم، إنها الثقة بين الحاكم والمحكوم هي التي حولت هذا الخريف الديمقراطي إلى ربيع أزهر دستور جديد بصلاحيات غير مسبوقة وحكومة منتخبة أول مرة من قبل الشعب، وأضاف الاختيار الديمقراطي كرابع ثابت من ثوابت الأمة المغربية ونحث طريق آخر للتغيير يعرف اليوم بـ"الإصلاح في ظل الاستقرار".

غير أن هذا النموذج المغربي ظل خاضعاً لجهاز قياس حرارة الشارع داخل وخارج المغرب، وقد شهدنا طوال الخمس سنوات الماضية محاولات حثيثة لم تتوقف لإرباك هذه التجربة وتجميد الحركة في عروق التاريخ. الهدف لم يكن حزب العدالة والتنمية، بل هذه التجربة التي أربكت حسابات جهات في الدولة كانت تسعى لاحتكار الحياة السياسية بتأسيس حزب للدولة ولد بقدرات خرافية.

وقد كنا قاب قوسين أو أدنى من هذا السيناريو، لولا تدخل الملك نفسه لكي تستمر الحكومة إلى اليوم، كما صرح بنكيران بذلك في حوار تلفزيوني على قناة "ميدي 1"، خصوصاً لما بدأت الثورة المضادة تنتصر في عدد من البلدان.

صحيح، لم يعد هناك اليوم مجال لقطع التيار الكهربائي خلال عملية فرز الأصوات واستبدال الصندوق بآخر. هذه الأساليب أصبحت تقليدية، لكن هناك وسائل أخرى للقيام بذلك، وقد شهدنا مناورات كثيرة لعبتها وزارة الداخلية للتحكم الناعم والمسبق في العملية الانتخابية وقص أجنحة الاحزاب الوطنية التي ترفض القيام بدور "السخار" لدى التحكميين.

من هذه المناورات مثلاً، تخفيض العتبة ومنع حملات تسجيل المواطنين في اللوائح الانتخابية وجرجرة المرشحين إلى المحاكم ورفض التصويت بالبطاقة الوطنية ومنع الأنشطة التواصلية، ورفض تصويت مغاربة العالم، وقبل هذا وذاك تزعم "حركة تمرد" داخل الحكومة، و ربما ما زالت هناك أوراق أخرى ستلعب في الوقت الميت.

هذه كلها "مناورات انتحارية" للجم تيار يحظى اليوم بثقة فئات واسعة من الشعب المغربي، وهي في المقابل دفعة من الخلف لتيار كسيح يمثله اليوم حزب الأصالة والمعاصرة، الذي تلقى هو ومن يقفون خلفه صفعة قوية في انتخابات 4 سبتمبر/أيلول الماضي. هذا الدور القذر الذي تلعبه "أم الوزارات" لو نجح- لا قدر الله- فإن تبعاته ستكون مكلفة جداً؛ لأن وأد تجربة ديمقراطية في مهدها سيدفع شرائح مهمة من المواطنين، وعلى رأسهم الشباب إلى فقدان الثقة، وبدون ثقة لا تكون هناك سياسة وبدون سياسة لا يعود هناك أساس للدولة كما قال كونفوشيوس.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.