المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبدالله بترعمت Headshot

حياة إنسان ما

تم النشر: تم التحديث:

أول ما رأيت النور صرخت باكياً، خرجت عارياً بريئاً، وأنت في أوهن أطوارك، بالكاد تستطيع تحريك قدميك وذراعيك ومشقة ذلك تتبدى على محياك، تتناولك الأذرع والقبل من حيث لا تدري.
بعد حين، ترفع الغشاوة عن مقلتيك فتقف عاجزاً مذهولاً من تشعشع الألوان في المكان، يبهرك ذاك ا
لضوء المتسلل من النافذة، وتندهش من تحرك الأشياء من حولك، كل تلك الوجوه المربعة والمستديرة، التي لا تكف تقبلك على جبينك، وهي تهمهم في كل مرة بكلمات لا دراية لك أو لا معنى لها أصلاً، فتكتفي بضحكة بريئة ترق قلوبهم عساهم يغربون عن جوارك، لكن بدلاً من ذلك تستقبل مزيداً من القبل تكاد تمحو ملامح وجهك!

ولكن سرعان ما يفسد مزاجك فتستجمع في جوفك نفساً ضئيلاً تطلق به صراخ بكاء لا يكاد يسمع، أهو الجوع أم النوم؟ أهو الضجيج أم الخوف؟ لا أحد من حولك يدري، ولا أنت بدورك تدري، لكنها تبدو طريقة ناجعة لتطرد الجميع وتنفرد بأمك، لقد كنت دخيلاً في هذا العالم، فأنت تجهل كل شيء في دنيا الناس فلا تكاد تميز بين الجمرة والحلية.

تمضي أيامك نوماً وبكاء، وفي أحيان قليلة تنمنم بحروف من صميم إبداعاتك، لقد كنت مبدعاً، لكن ذلك لم يكن شيئاً يذكر مقارنة بما نلته يوم خطوت أولى خطواتك مترنحاً متمايلاً!
لقد كان إنجازاً عظيماً، أدرّ عليك وابلاً مضاعفاً من القبل والعناق يضاهي ما تلقيته يوم تهجأت من كلام الناس كلمتين بين الميم و"ماما" وبين الباء و"بابا".

شيئاً فشيئاً أصبحت تشبههم في كلامهم وتصرفاتهم، لقد صار كل شيء عادياً، لقد صرت عادياً، بعد تجاوزك لأولى خطوات تدجينك بنجاح، لقد آن أوان وضعك على مضمار الحياة مع أقرانك لتصبح اجتماعياً.

أول يوم لك في المدرسة، لا بد أنه كان مميزاً بمعنى ما، سلبياً كان أو إيجابياً، لكن لا يزال طبعاً راسخاً بعمق في الذاكرة، سرعان ما تألف الناس وتتجاوب معهم، علموك أن الاحترام أساس العلاقات، علموك أن الثمار تنال بالجهد والمثابرة، علموك أن العلم نور والجهل عار، لقد أصبحت تدرك أن الأشياء من حولك ليست عبثية، وأن كل شيء بمقدار وميزان، والأهم من ذلك أن هناك حدوداً .

صرت مراهقاً ومسألة الحدود المترسبة في قرارة نفسك تؤرق عقلك وذاتك، فبعد أن كنت أليفاً تمردت، وكلك أسئلة واستفسارات وفضول، المجتمع لا يجيب، المجتمع يقمع، في وسط نوبات ضعف نفسية ومعرفية تستشعر الضياع في متاهة الحياة، أنت تائه.

لقد أمضيت سنوات مراهقتك في اكتشاف المجتمع، تعرفت على هواياتك وشاركت في مغامرات، وصرت تميل لأشياء وتنفر من أخرى، أصبحت لك قرارات، وإن كانت متهورة في غالب الأحيان، إلا أن شخصيتك بدأت في التكون والنمو موازاة مع نمو ذاتك ونضج عقلك، لكنك لا تزال رغم ذلك تبحث عن موقعك على خريطة الحياة.

الأيام تسيل سيل التيار في نهر جارف، وأنت في بداية شبابك تستشعر معنى لحياتك، أو تحاول أن تجعل لها معنى، الماضي قد مضى وطوى بمضيه ذكريات فرح وحزن، المستقبل قادم، لكنه ضباب كثيف يثير الخوف والريبة، نعم أنت هنا، لقد صرت إلى ما صرت إليه الآن، لكن إلى أين ستؤول حياتك؟ ما مستقبلك؟ تسأم من العبثية التي حكمت ماضيك، وكلك طموح في أن تخلق بيدك المستقبل الذي تريده، لكن أي مستقبل تختار؟ تتيه ثانية أمام زوبعة من الخيارات المتاحة والتأليفات الممكنة أمام الظروف المادية الصارمة.

من جديد تدرك أن هناك حدوداً، لا تجد في نفسك إجابات فتستشعر جهلك وضعف حيلتك، فينتابك نهم عارم لالتهام الكتب (وخاصة النفسية والمادية منها) أو لتعلّم البرمجيات، أو لتعلم شيء يجعلك ذا قيمة وذا إنتاجية في وسطك، لعله يسكن ولو لوهلة ذاك الغضب الداخلي، الذي قد يتجلى بصور مختلفة لدى أقرانك، والناس المحيطين بك.

في فترة العشرينيات بالضبط، تبدأ الوعي بسلوكياتك ونمط تفكيرك، فتطلق مسلسل تصحيح عاداتك وتحسين تصرفاتك، بدأت تنضج فعلاً، لقد صرت متعقلاً .

يتزامن هذا مع تخرجك أو بعد حصولك على عمل أو بعد استقرار مشروعك، فتقرر بناء أسرة ونمط حياة جديد، تبدأ إبرة ميزان حياتك بالتوازن، فينقشع ضباب المستقبل بينما تشرق شمس الاستقرار.

همك أن تعيش سعيداً، ومن ذا الذي لا يبحث عن السعادة (معشوقة الجماهير)؟! تحاول قدر استطاعتك أن تكون ذاك الزوج المثالي والابن البار بوالديه والأب المسؤول والحنون لابن سيكون بطل قصة أخرى مشابهة، تصير عائلتك السبب الأول والأخير لكفاحك، تدرك في مرحلة متقدمة أن الحب هو وقود الحياة، حب أبويك، حب زوجتك، حب أبنائك وعلاقتك الطيبة بالآخرين، "نحن لا شيء من دون الآخرين"، أنت الآن في أوج وعيك .

بتقدمك في السن تزداد لا مبالاتك بأقوال الناس، بينما تزداد ثقتك فيما تقتنع به وما تفعله، تصير ذكرياتك أكبر من طموحاتك، فتفقد الماديات قيمتها أمام شيبة الرأس ومآل الروح، ومع وهن الهرم وذهاب الصحة تبدأ بفقدان الحس المادي، بدأت تصبح أكثر روحانية، أنت روحاني .

على فراش احتضارك تستيقظ، تستيقظ من حلم الدنيا، فتسيل دموع الندامة، فتأكل ما تبقى من جهد في قلبك، أمام مرأى رضيع يبكي كبكائك في رضاعتك، وأمام طفل همه اللعب كهمك في صباك، وأمام مراهق متهور كتهورك في مراهقتك، وأمام مرأى شاب جاهل يجهل ما يبكيك، وأمام كبير غافل أكثر من غفلتك، حبهم أبكاك، فراقهم أبكاك، مآلك أبكاك، تموت عاجزاً كما ولدت عاجزاً .

يغمض المرء عينيه يوم رحيله كما فتحهما يوم قدومه، وبينهما قصة حياة، سعيدة أم تعيسة؟ يا ليت الأموات تعود، فتحكي للأحياء سر الحياة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.