المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد الله أموش Headshot

الصحافة المغربية: ورقي يحتضر وإلكتروني ينتظر

تم النشر: تم التحديث:

يبدو أن الصحافة المغربية بكل أنواعها؛ المكتوبة والإلكترونية، تناكف من أجل البقاء وهي متيقنة أنها ماضية إلى الزوال. ويعرف القائمون على تلك المنابر أن الإشهارات والإعلانات مجرد مسكنات للجسم العليل؛ إذ إن النموذج الاقتصادي للمقاولات الصحفية هشٌّ مبنيٌّ على الإشهار الذي تتحكم في منحه خلفيات سياسية واقتصادية واجتماعية.. وهذا ما أبان عنه إغلاق جريدة "التجديد"، وقبلها صحيفة "الناس" وصحيفة "العاصمة" وجريدة "الخبر" وغيرها.

"أمية" تتحكم و"قراءة" تتأزم و"مبيعات" تنهار
ويظهر من كل المقترحات التي طرحتها الدولة وفيدرالية الناشرين ونقابة الصحفيين، أنها مقترحات هشة لا تنفذ إلى مكمن الداء، فالمشكل هو أن المغاربة لا تستهويهم القراءة؛ إذ إن القارئ المغربي لا يقرأ إلا دقيقتين في السنة، في حين أن القارئ الأوروبي يقرأ 200 ساعة في السنة، أضف إلى ذلك أن الأمية ما تزال تتحكم في نحو 5 في المائة من المجتمع.

تظل أهم فرضية سنبحثها في هذا المقال، تلك المنطلقة من الأسئلة التالية: هل وجد المغاربة فضاءات في الإنترنت استعاضوا بها عن الجرائد والمجلات الورقية؟ وما الفضاءات التي نجحت في جذب اهتمام المواطن المغربي؟ وهل ما يقال عن الإشهار في مجال الصحف الورقية ينسحب على العوالم الإلكترونية؟ وهل من بدائل عملية؟

هل تسحب الإلكترونية البساط من تحت الورقية؟
يقال إن المغاربة هجروا الجرائد الورقية التي تبلغ مبيعاتها نحو 200 ألف نسخة يومياً، حسب الهيئة المغربية للتحقق من انتشار الصحف لـ"OJD"، صوب الإنترنت، حيث أصبحوا في المركز الثاني قارياً في استخدام الإنترنت بأزيد من 20 مليون متصل، وفقاً لدراسة صادرة عن منصة "هوت سويت" لإدارة وسائل الإعلام الاجتماعية.

قد يغري رقم "20 مليون مغربي متصل بالإنترنت" أي فاعل بالاستثمار في العالم الإلكتروني، لكن لتنتعش المقاولة الصحفية الإلكترونية لا بد لها من الإشهار، وهنا تكشف إحصائيات مجموعة WB AFRICA المتخصصة في مجال الإعلانات الرقمية والورقية والإذاعات والقنوات التلفازية، عن سيطرة مواقع "جوجل"، "يوتيوب" و"فيسبوك" على هذه السوق الوطنية.

"الإشهار".. السلاح الفتاك ضد الإعلام
تشير إحصائيات مجموعة WB AFRICA إلى أن المواقع العملاقة "جوجل"، "يوتيوب" و"فيسبوك" تسيطر على ما يناهز 240 مليون درهم من المخصصات المالية التي تخصصها الشركات المغربية للإعلانات الرقمية، فيما لا تتجاوز حصة المواقع الإخبارية المغربية شبكة الإنترنت سوى 60 مليون درهم، وهذا ما يعني حرمان المقاولة الإعلامية الوطنية واستعمال سلاح الإشهار الذي دمر المقاولة الصحفية الورقية.

وقد سبق لوزارة الاتصال بالمغرب، أن أكدت في بيان لها "أن الصحافة الإلكترونية تنطلق في المغرب وهي تعاني الهشاشة؛ بسبب اللجوء إلى الإشهار في محرك البحث العالمي (جوجل) أو موقع التواصل (فيسبوك) أو غيرهما"، وأشارت الوزارة إلى أنها ستبدأ مفاوضات لحماية المقاولات الإعلامية المغربية من استحواذ المعلنين العالميين على سوق الإشهار بالمغرب.

عوالم افتراضية تجذب المغاربة
يُلاحظ أن المواقع الإلكترونية المهتمة بالسياسة والقراءة والمعرفة لا تلقى إقبالاً كثيفاً من طرف 20 مليون مغربي، وهنا نعود إلى المشكلة الأساسية، وهي مشكلة القراءة التي لم تنضب الجهود من أجل معالجتها. ويبدو السؤال البديهي هو: ما العوالم الافتراضية التي تجذب إليها المغاربة إذا كانت المواقع الأخرى لا تجذبهم كثيراً؟

يتبين التوجه العام لـ20 مليون مغربي متصلين بالإنترنت، من خلال إحصائيات يقدمها موقع "أليكسا" العالمي، المختص بترتيب مواقع الإنترنت، حيث يظهر أن اهتمام المغاربة ينصب على التفاعل في مواقع التواصل الاجتماعي، ومحركات البحث وأهمها "غوغل"، علاوة على زيارة المواقع الرياضية، ومواقع التسوق الإلكتروني، والبوابات الإخبارية، والمواقع الجنسية والإباحية.

ملاحظات ومسارات للفهم
يمكن أن نسجل ملاحظات مهمة بناء على كل المعطيات أعلاه؛ وهي:
- أولاً: أن الأمية مستحكِمة ونسبة المقروئية ضعيفة.
- ثانياً: أن المغاربة يوجدون بكثرة في العالم الافتراضي بما يتيحه من إمكانيات تفاعلية وحرية.
- ثالثاً: أن الإنترنت فتح للمغاربة فضاءات لا توفرها الصحافة الورقية.
- رابعاً: أن المغاربة أقبلوا على تلك العوالم الافتراضية بسبب العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
- خامساً: أن المقاولة الإلكترونية تعرف بوادر أزمة كما عاشتها المقاولة الورقية.
- سادساً: أن الشركات الوطنية تفضل منح الإشهار للشركات العملاقة الأجنبية عوض التحلي بمنطق الشركة المواطنة.

ويبدو أن أهم الفضاءات التي يمكن تجريبها إذا كنا نريد بناء مقاولة إلكترونية ورقمية بعد أن استعصى إنقاذ المقاولة الصحفية الورقية، كما فعلت مجموعة من المنابر بأوروبا وأميركا وسارت على طريقها التجربة التركية، أن توظف المقاولات الصحفية الفيديوهات والنقل المباشر عوض كتابة أخبار مطولة تنفر المواطن، علاوة على توفير مساحة كبيرة للإثارة وأخبار المشاهير والصور والأخبار العجائبية، وحجز مساحة واسعة للرياضة، وتخصيص مساحات للخدمات الاجتماعية والتسويقية والموضة والطبخ والتسلية، وعدم الارتهان إلى سوق الإشهار والإعلانات، وهذا يتطلب وجود رؤية مستقبلية.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.