المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد الكريم السكوري Headshot

فكِّر خارج الصندوق

تم النشر: تم التحديث:

هذه العبارة القصيرة المكونة من ثلاث كلمات، جعلت مني حديث الأسبوع!

نعم... لأنها، وببساطة، جعلتني أفكر خارج الصندوق لأنقذ نفسي من موقف حرج جداً، ولأرضي الحشد الكبير الذي كان ينتظرني.. قبل بضعة أيام، نظّمت مؤسستي حفلاً ختامياً لانتهاء السنة الدراسية، حضره الكثير من التلاميذ وأهاليهم، وكنت أنا من لجنة تنظيم الحفل، فكان عليَّ إذاً إلقاء كلمتي أمام الحضور، التي من المفترض أني وضعتها في حقيبتي قبل القدوم إلى الحفل... لكنّي لم أجدها!

في البداية، احترت، تغيّر لوني باستمرار، أصفر، ثم أزرق فأحمر، أبحث يميناً وشمالاً... وماذا سأفعل الآن؟ وكيف سأقابل الحشد المهم بأيدي الفارغتين؟ وماذا الذي سأحدثهم عنه؟

فجأة، كأنما صديقي قد ألقى عليّ تعويذة سحرية، قائلاً: "فكر خارج الصندوق.. لا تتوتر".

فأخذت نفساً عميقاً، ولم أتردد أبداً في صعود الخشبة، وألقيت بنظري على الحشد الكبير الذي كان ينتظرني، فهذه أول مرّة تحدق بي أعين كل هذا الكم الكبير من البشر، وأول مرة ألقي كلمة مرتجلاً:

"ما أسرع ساعات الحياة وهي تجري نحو المجهول... وما أغرب تنهدات الزمن وهو يركض ولا يلتفت أبداً، وكأنها البارحة فقط أمسك والدي بيدي واصطحبني إلى مكان ضخم وغريب، فيه ساحة خالية وساكنة، تتخلها بضع زهور من هنا وهناك، وتحيط بها عشرات القاعات الإسمنتية... كان كل شيء هناك ميتاً، كان جامداً، كان يحتاج للحياة. ولهذا السبب يذهب الأطفال إلى المدرسة؛ ليعطوها الحياة والألوان، وليخلقوا فيها روحاً... ندرس لسنين وسنين، لماذا؟ لنعطي لحياتنا معنى ولوناً. حتى لا نندثر مع العدم، ونتلاشى مع الزمن، بل لنكتسب مهارات الحياة الاساسية، لنكتب، ونقرأ، ونحسب... ثم نبدأ في ولادة الأفكار والابتكارات. مضت السنون بسرعة، حتى إني أكاد أخلط بيني في الحاضر، وبيني في الماضي، فما زلت أشتاق إلى الماضي الذي ابتلعه الزمن، وما زلت أتوق لعناق المستقبل واحتضانه بشدّة بكل ما يخفيه لي من مفاجآت.

هل سألتم يوماً لم نستيقظ كل صباح ونمتطي الحياة، ونبدأ صراعنا الأزلي مع مشاكلها؟ هل سألت يوماً نفسك عن هذا؟ هل اكتشفتم ما هذا السبب القوي الذي يشدّكم لمواصلة هذه الحياة رغم كل أتعابها؟ أهو الحب؟ أهم الأصدقاء؟ أهو الاكتشاف؟ أنا لا... ولا واحدة منها، أستيقظ كل يوم؛ لأني أعلم أنه أجيال الغد تنتظرني، وأن البشرية تضع على كاهلي، كما على كاهل كل واحد منّا، حملاً مهماً جداً، عليَّ إيصاله لمكانه الصحيح في الآونة الصحيحة، ثم أرحل حينها بسلام، وأكون قد أنهيت ما جئت من أجله وأصبت هدفي من هذه الحياة. لهذا... فلنضع لحياتنا سبباً قوياً، يشدنا للاستمرار فيها، لنبدع فيها، ونبتكر، ونجدّد، ونسعد العالم، ونوقف الحروب... ليعم السلم، ليعم الحب، ليعم الدفء، لنسعد بحياتنا القصيرة المنتهية، ونفوز بدنيانا وآخرتنا.

إنها الحياة، التي وجدت لنوجد فيها، ونعيش فيها؛ لنعمر الأرض، لنكون خلفية الرب في الأرض، فبأي حق تنصبون الفخاخ؟ ولمن تنصبون الفخاخ؟ وبأي حق تدمّرون الأرض ومن المتضرر من تدميرها؟ إنها منّا وإلينا... إن لم تتأثر، فكن على يقين أن ابنك، أو ابنه، أو سلالتك ستتأثر بما فعلته أنت اليوم؛ لهذا أنت محاسب عن كل حركة تقوم بها، ولهذا أنت أصلاً إنسان! لتكون واعياً، مسؤولاً ولتفكر في مصلحة الكل قبل مصلحتك الخاصة...
عِش حياتك، وابتسم، واعمل خيراً تجده!".

توقفت، ونظرت في عيني صديقي وهو يبتسم، من يدري؟ ربما كان يؤمن بقدراتي أكثر مما أفعل أنا بنفسي... ولم أدر كيف، لكن كل ذلك الحشد الذي كان يخيفني، وقف، وصفّق لي.. ولم أدر كيف أتصرف حينها؛ لأنني كنت فقط مشدوهاً، أفكر كيف لجملة قصيرة جداً، أن تحفز مخيلتي لهذه الدرجة، وأن "تخرجني من الصندوق" المعتاد والكلاسيكي لإلقاء الكلمات..

حقاً، تأكدت اليوم أن العفوية والارتجال في إلقاء الكلمات يفضل درجات عن الخطاب المعتاد الممل والذي يصيبك بالتوتر، كلما نسيت حرفاً واحداً.

إذا أردت إلقاء كلمة، فكل ما عليك فعله هو نطق الكلمة الأولى التي تخطر ببالك، واستعد للكم الهائل من الأفكار التي ستنهال عليك فجأة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.