المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 عبدالحميد الكمالي  Headshot

نصف غربة

تم النشر: تم التحديث:

صديقي محمد، العابر كطائر الفينيق للبحور التي لم يعرفها من قبل، فالسماء نصف مضيئة بقمر لم يكتمل، والبحر يعيشُ حالةً من العبث غير المبرر، وقلبك الممتلئ بعشرات المشاعر المتداخلة كبالون قذفت به الحيرة في سماوات لا يعرفها، وعيناك المضيئتان كقبس نبي، أدعو لك وأنت الآن تستقل مركباً وتخترقُ البحر وبجانبك العشرات من الناس يفرزون القلق من وجوههم، ويبادلون اهتزازات المركب بأمنيات تصعدُ نحو السماء، رغم دخان المركب الذي يقلكم.

أشعرُ بك وأدخل في صراع مشدود مع الحظ الذي جعلك تغادر سريعاً، دون أن تعرج للقاء الذي خططنا لهُ، فأنا لستُ مستاء من لعبة القدر معنا، فهي من جمعتنا منذ عام معاً، والذي تستعيده ذاكرتي بكل تفاصيلها التي كنا بها، والتي تمنينا أن نكون بها.

صديقي محمد.. إنك تقفُ الآن بأحد جانبي اليخت، وتودع بعينيك آخر الأضواء التي يصدرها وطننا، هذا الوطن الذي نفخر بهِ معاً أننا من أبنائه، وطننا الذي ستكون أنت أفضل مَن يشرفه في المهجر، أشعر بكّ يا صديقي، وأنت الآن تتبع أمواج البحر، وهي ترتطم بجانبي المركب، فتهتز مشاعرك كردة فعل لاهتزاز المركب، فأنت في بداية نصف غربة؛ لتذهب إلى النصف الآخر، إلى جانب زوجتك وطفلك، فأنت يا صديقي مكتوب عليك أن تعيش نصف غربة، هكذا كتبك القدر في ملاحظاتهِ المخفية بهذه الطريقة، حيث ستجري بعض الإجراءات في جيبوتي للقاء أسرتك الصغيرة في ولاية قرب ناشفل، وحينما تصل ستسمع من زوجتك كلمات "حمداً لله على السلامة" ويتوهج قلبك من جديد، وتسمعُ صوتاً يصدر من طفل لم يتجاوز عامه الثالث بعد، وهو ينادي باللغة العربية وبصوت مكسر: بابا، وربما ماي داد..

صديقي محمد.. أكتب لك الآن وأنت تخوض رحلة سفر متعبة وموجعة، لكنها لا تساوي وجع فراق الوطن، ولكني سأخبرك بذلك المبدأ الذي أمشي عليه، هو أن الوطن أيضاً امرأة، فأنت تغادر من وطنك إلى وطنك الآخر؛ لذا لا تفكر كثيراً، فالوطن سيشتاق لك مثلما نشتاق لك، وسيدعو لك الوطن مثلما سندعو لك بكل اللغات التي نعرفها ولا نعرفها، فليس بوسع الكلمات أن تصفك وتخبرك بما يثور بداخلي الآن.

قد تقرأ رسالتي هذه وأنت تقفُ على اليابسة، تسكنُ إحدى الغرف المهترئة التي تتصارع معها من أجل تدوير مروحة السطح في بلد مثل جيبوتي، لم يتطور بعد، فما زال رقماً في الخطوط السفلى للتقدم؛ لذا ستكون ذرات العرق تغادر جسمك بغزارة وأنت تترك مروحة السطح؛ لتبحث عن تغطية لشبكة الهاتف النقال التي اقتنيتها مؤخراً؛ لتطمئن والدتك وأحباءك، أعرف أنني سأكون من بينهم، لكني لا أحتاج لذلك، فأنا أشعر بكل الخطوات التي تخطوها، لكني متحمس لأسمع صوتك وهو مليء بالحنين لليمن، وهو يلقي بالأمنيات بأن يحل السلام على الوطن، وتوقف جميع سحرة وكهنة الحرب، وتلقي دعاءك لليمن، كما ألقى نبي الله موسى بعصاه.

أشعر أنك ستخبر كل الذين تصادفهم أن اليمن بلد عظيم بشبابها الذين يشبهونك، وستزرع بداخلهم الدعاء والأمنيات التي حملتها معك، وأخذتها من وجه طفل يتيم ترك مدرسته بسبب الحرب، ومن عيون أرملة سقط زوجها بصاروخ سماوي في سوق شعبية، ومن شابة اغتالتها قناصة، ومن شيخ كبير السن لم يجد مالاً ليشتري الأنسولين، سيكون دعاؤك للوطن مثلما سيكون دعاؤنا لك.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.