المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 عبدالحميد الكمالي  Headshot

بين أمي والوطن

تم النشر: تم التحديث:

كان يوماً عادياً لم نحلم فيه سوى أن نسرق لحظة حب عابرة من أطراف الوقت، ونباغت بها عناوين الحرب والمعاناة والألم المزروع بجانب الرصيف، والمعلقة بأقبية المنازل، وفي ضلوع العابرين، كانت المركبة التي تقلني اليوم تعبرُ بنا كسفينة تائهة، وفي المقعد الخلفي تجلسُ فتاتان، تخوضان في حيرة، ما الذي ستقدم كل منهما هدية لوالدتها في عيد الأم، فتذكرت هذا اليوم المبتهج في وجهة الحرب، وكيف لونت الفتاتان صباحي بعيداً عن كآبة الحرب، فكنتُ أراقب الفتاتين من المرآة الجانبية للمركبة، ولا يظهر سوى أياديهما الملائكية وهي تحملُ بلطف كتب الجبر والهندسة، فتركت المركبة تغرق بِحيرة الفتاتين.

وقررت أن أنهي عملي اليوم، وأن أزور أمي، وأنا أردد قصيدة محمود درويش (أحن إلى خبز أمي)، ولم أنتبه لصوتي المرتفع ولا لبائع متجول يبتسم لي فجأة ولا لوشوشات نساء جميلات عبرن سريعاً بجانبي، ولم أنتبه للرجل المسن وهو يترك معطفاً جديداً كان يريد شراءه، وهو يبتسم لي ويخبرني عن اسم أمه التي تشبهُ الجنة فتذكرت أمي.

تذكرت أنها لا تزالُ في العاصمة قبل أن يقابلني صوتها عبر الهاتف المليء، كعادته بالأسئلة عن عملي، عن صحتي، عن حبيبتي، وقبل أن أخبرها عن الأمنيات، وعيد الأم، كانت تباغتني بسؤالها ماذا لو توفيت؟

كان سؤالها يحدث انفجاراً عظيماً بداخلي، أنهت على صوت أبواق السيارات والعابرين وهتافهم على بضائعهم، وأصوات وسخط السائقين على الازدحام بجانبنا، أنهت كل معالم الحياة بداخلي، سوى من نبض بأقصى قفصي الصدري، صوت أمي يقطع صمتي، وهي تتحدث، فتأكدت أنها هي، وتخبرني أنها تعرف العديد ممن أرفقوا بجانب أسماء أمهاتهم عنوان: الشهيدة، ومثلهُم الكثيرون ممن فقدوا أمهاتهم جراء الحرب.

كانت كلمات أمي تصنعُ دماراً عظيماً بداخلي، وأنا أتذكر كل أم رحلت بسبب الحرب، كل أم فقدت ذراعيها وفقدت نعمة احتضان أبنائها، تذكرت كل أم فقدت بصرها، وحرمت من أن ترى أولادها، تذكرت كل أم لم يعد لها أحد في هذه الحرب، تذكرت تلك الأم التي نزحت وأطفالها محاصرون في خطوط النار.

كانت أمي تخبرني أن أعظم هدية ممكن أقدمها لها في هذا اليوم أن أوقف الحرب، أخبرتها أنني لا أملكُ قراراً ولا سلطة ولا أحملُ بندقية تستطيعُ أن توقف الحرب، ولا أملكُ حلفاء وزعماء وصواريخ وفريق سلام ومرافقين ومؤتمرات في جنيف والكويت، وكل ما أملكهُ هو قلمي والكتابة أخبرتها أنني سأكتبُ لأجلها، سأكتب لأوقف الحرب، سأكتب للشهيدة ولأبنائها، ولأجل كل الذين فقدوا أمهاتهم في الحرب، وقبل أن تودعني قالت: اكتب أيضاً عن أرضك، عن وطنك، فمن لا وطن له لا أم له.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.