المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 عبدالحميد الكمالي  Headshot

امرأة بوجعَين

تم النشر: تم التحديث:

تجربة أولى للاستيقاظ، ما زالت عيناي تعملان، أشعر بنبضات أقصى الصدر فيما التنفس كما هو، الملابس الثقيلة كما هي في الصيف والشتاء، أكمل ارتداءها أسفل سلالم المبنى الذي أقطنه، والذي تلقّى خلال الحرب شظايا قصف الطائرات، ورصاصاً عائداً من الاشتباكات وأصوات القذائف، خطوات متسارعة من أجل اللحاق بمحاضرة اليوم، على الطريق امرأة منزوية بجانب مبنى بعقدها الخامس، كما تُشير التجعدات التي تخفيها من يدها وتبدو حالتها متعبة، أشارت لي، توقفت أمامها، وقالت بصوت هادئ وقاتل: أحتاجُ للمال لم آكل ولا أولادي منذ يومين!!

الصورة الرمزية للوطن سقطت من مخيلتي، فيما الشمس مالت واحتجبت، والمساء هطل فجأة، وأبواق السيارات في بكاء مستمر، فيما ساعة يدي تحولت لقيود، وملابسي ترجلت عني ورحلت.

دمعتان من أطراف عين المرأة تسبقان سؤالي لماذا؟

الأشجار خاشعة مع صوتها المكبوت من الوجع، والأبنية المجاورة تهتز من الوجل وهي تخبرني أن زوجها قتل بقصف، وابنها الأكبر قتل، وشقيقها مختطف، وتبقى لها طفلان أكبرهما لم يتجاوز الخامسة.

كانت امرأة بوجعين، امرأة بأحزان مختلفة السبب والمصدر، امرأة بوزن وطن، حائرة أمام قرارات غيرها ورغباتهم ومصيرهم وأقدارهم، زرعت بداخلي أرصفة الوجع، وهي تستعد للرحيل قائلة: أنا إنسان، وكأنها تخبرني، تخبر كل المتصارعين بحقها في العيش، كأنها تقول لهم: دعوني أعيش بسلام، وتدعوهم بمختلف توجهاتهم من أجل الوطن، من أجل إيقاف النزيف والعبث به، تدعوهم إلى أن يعاملوها كإنسان، كمواطنة، كحياة مكفولة لها بكل الكتب السماوية والأرضية والوطنية التي نملأ أفواهنا بها عن الإنسانية التي فقدناها.

رحلت بعد أن قدمت كل شيء أستطيعه، رحلت وعادت السماء كما كانت بشمسها التي تجلد ظهري، بضجيج الناس، وبرعشات البرد التي أتلقاها، عادت الملابس الثقيلة، لكن الوطن لم يعد بعد، فما زال متشظياً بين كفي المرأة ولن يعود حتى يعود السلام، حتى يُقام علينا أذانٌ يصدحُ من كل النوافذ قائلاً: حي على السلام.. حي على السلام.

* من الملحق الثقافي اليمن اليوم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.