المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد الحميد بشارة Headshot

أي امرأة أنتِ؟

تم النشر: تم التحديث:

أحيانا يعجز القلم عن ترجمة الشعور الإنساني وما يجيش بالنفس إلى كلمات على سفح السطور، وكم من شعور عجزت عنه الكلمات في التعبير عنه، وكان غاية الكمال في التعبير أن خرج في حروف مجهدة وكلمات باهتة كلوحة عارية غيرتها حرارة الشمس وأتربة الطريق.

والحب، وهو أسمى المشاعر الإنسانية، لا ييسر في أغلب الأوقات التعبير عنه، أو تجميد أفعاله في قيد الكلمة، إلا إذا وُجد من الكلام كلامُ كالقنبلة الصغيرة التي تحمل في ثناياها معاني الدمار الكبير.

ولم أجد في الحب أفضل تعبيراً عنه أكثر من الصمت أمام من تحب، حينها تنساب المشاعر وينطلق لسان الصمت، فيُعرب عما بالقلب كأبلغ مبين، وأصدق قائل.

وتترقرق النفس فتفيض في صمتها بشعور هو أزكى من الندى المنحدر على ورق الورد وقت السحر، وتهيم الروح في خيال ترتسم فيه الحياة بلون الزهر، وتتلون فيه شفاه السماء بلون الشفق، وتتردد في أرجائها أهازيج الطيور المغردة، وتشعر.. كأنك انخلعت من الوجود إلى وجود معدوم الوقت والزمن، حتى إذا عُدت إلى نكد الحياة وبؤسها ظننت أن تلك اللحظات كانت في عمرك عمر.

ثم ترى ألا مفر من الكلام والوصف فتهمّ به.. فتراه ينحدر على شفتيك متكسرا لا يجتمع لك منه حرفان، فترى وقتها ابتسامة رضا في قلبك لهذا العجز الذي يؤكد لك أنك تحبها.
ومن طبيعة الوصف أنه دائما أبعد عن الموصوف، ولكنه يتجمّل بطباع الموصوفة حتى يسهل على القلب فهم هذا الجمال.
والإطناب في الوصف ليس زيادة شيء ليس فيها، بل زيادة تبسيط للغة الجمال حتى يفهمها القلب الذي تفتح على يديها، وأشرقت أساريره بحسن شفتيها.

وفلسفة الحب أحيانا تُلْقِي بالقلب كالبذرة الموسمية فتستقي من الجميلة مفردات الحب وآيات الجمال، فتنمو هذه البذرة حتى تكون في نهايتها -عند من لا يفهم- ليس أكثر من قصيدة مختلّة المعني القلبي والوزن العاطفي، وغاية الكاتب أن يُحسن الخط في وهمه فيها!

ولعمرك ليست كل امرأة تصلح للوحي والإلهام، فبعضهن كأوراق الورد المتساقطة وقت الخريف، إذ إن فهم بعضهن للجمال لا يزيد عن جسد منمق يخاطب حيوانية الرجل فحسب، فلا تحمل من شيء سوى أنها بنت الربيع وهي في حالة رثة من الذبول وذهاب العطر. كذلك بعضهن لا يملكن من الأنوثة الملهمة سوى جسد واسم نسائي فقط، فلا توحي بشيء سوى ضرورة التمسك بالجمال أينما وُجد لندرته.

هكذا أراهن دونك!
أما أنت..
فكتاب أُفرغت فيه معاني الجمال لا أشكاله، وصفاته لا أسماءه.

وكأنك خلقت من طين الجنان المعقود بالنور فلا حللت بزاوية إلا أشرقت، ولا نظرت في ليل إلا أضاء سناه.

ويتخلل هذا الجسد الفاتن المبدع شرايين تجري بالحسن ومادته، حتى كأني حين ألامسه أجد له وهجاً يفور كزهرة منثورة العبير.

ومن غرائب جمالك أنه متجدد.. فأراك كل يوم امرأة جديدة زِيد في جمالها ودلّها وحسنها، وأرى أنوثتها كشجرة مثقلة بثمارها، فتترنح من ثقل هذا الجمال وكأنها تقول لي: احمل عني أيها العاشق.

فلا يقال لمثلك كلام مركب من حروف اشتهرت على السنة من "تتيّم وتولّه" حتى بهت بريقها وانطفأت نضارتها.
ولكن لمثلك كلاماً يُغسل بماء الندى، ويكتحل برقة الورد، ويلتحف بأوراقه الناعمة، ثم يغلّف بهدوء الليل وروعة السحر، ثم يُرسَل إليك تحمله أشواق ثائرة وحنين مشغوف.

ثم يوضع لعينيك فتنظرين فيه نظرتك، ويالها من نظرة تتشقق لها كلماتي وتنثر حروفها نثر النجوم في السماء.
ثم تتلمسين أرديتها فتموت في يديك موت الشوق والحنين لحبيب مفارق، فتبتسمين لتلك الكلمات، فكأنك أرسلتِ فيها حياة جديدة لا تحسب بأيام وساعات، ولكن بعمرها بين يديك.

ذك أنني رأيت آيات الجمال تنطق في وجهك، وبغية الشعراء منسوجة على شفتيك، ورأيت الحُسن في عينيك ذائبا، ونضارة السماء إذا اختلط بلونها الشفق عاجزة أمام نضارتك الوضاءة، وكأنك امرأة صيغت من عبق الجنة ووريقات وردها.

فأي امرأة أنت؟
أحكمة إلهية صيغت في ثوب من الجمال والفتنة.. ثم شاءت الحكمة أن تكون في إهاب نسوي تبزغ من خلاله للوجود فتخيرتك من بين النساء فكنتِ!

وأي شيء كنت؟
طبيعة متحركة في ركب امرأة، الوجه القمري المشمس، والعين المتفتحة كوردتين يداعبهما نسيم الربيع، وشفتين سابحتين في الحسن والرقة، وقوام أهيف أُحسنت هندسته وتصميمه على ضوء التفرد والمثل، فكنت كالقاعدة يقاس عليها جمال من دونك، وكنت حكماً عدلاً فاصلاً في دنيا الجمال وفلسفته.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.