المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد الهادي السايح Headshot

حنبعل آخر يستعد لغرز حربته السمراء في قلب الحرية

تم النشر: تم التحديث:

هل يكرهنا الغرب؟ سؤال يعيد طرح نفسه كلما لاحت في اﻷفق أزمة جديدة نكون أحد طرفيها، وها هي اﻷزمة تلوح مرة أخرى مع انتخاب الرئيس اﻷميركي الجديد.

ربما يتأرجح الجواب بين نعم ولا، فالقوم ليسوا مبرّأين من كراهية الآخر واحتقاره واضطهاده، خفية أو علناً، وقد يسعون إلى إلغاء وجوده كما يشهد تاريخهم الطويل، وكما لا يستطيع بعض قرن تجميل الملامح مع الإبقاء على كثير من السياسات المنتهجة كما هي أن يعدل بنا من سوء الظن بجيراننا الشقر إلى حسنه.

لا شك أن هنالك من جيراننا من يسوّق لمشهد "حنبعل" آخر يقف على أبواب روما مستعداً لغرز حربته السمراء في قلب الحرية اﻷوروبية.. فلا مبرّر يضاهي في المخيال الغربي هذا المبرر لقرع طبول الحرب والإمعان في التغلب على الآخر ودحره.

لا شك أيضاً أن العنف الممارس على اﻷرض العربية، وعلى الإنسان العربي من قِبل الغربيين من خلال الغزو المباشر وإلحاق الدمار ببلدان كاملة، أو دعم الأنظمة القمعية لتثبيت تبعيتها واستنزاف ثرواتنا، ومناصرة العدوان علينا، أو التعاطف مع المعتدي، والتعامي عن بشريتنا عند كل نازلة، أو حين تقرع طبول الحرب.. لا شك أنّ كل ذلك لا يضاهيه في حجم الدمار والضرر شيء من إجرام انتحاري هنا أو إرهابي هناك وإن كان يماثله في المبدأ.

لا نريد أن نقسو كثيراً على الحضارة الأوروبية، ولا يمكن لأحد أن ينكر أنها حضارة أنتجت الكثير من الجمال والإبداع واﻷلق، وأتاحت للإنسان في فضائها حرية للتفكير والتعبير والنشاط لم تتَح في غيرها.

لكن ماذا لو قلبنا ضفتَي السؤال لنصير الطرف المسؤول لا السائل: لماذا لا نحب الأوروبيين؟
قد لا يكون الجواب سهلاً، كما يبدو، لأن علينا تسليط ضوء التحليل على واقع نعيشه، ربما لا ندركه بشكله الكامل، ونحن ما اعتدنا على نقد الذات، بل على انتقاد الآخرين.

نحن نعيش عصر انحطاط مظلماً، ما زلنا نتخبط فيه بعد انقضاء الفترة الكلاسيكية الزاهية لحضارتنا، كأننا تبادلنا اﻷدوار واﻷزمنة مع جيراننا، ولو حاولنا أن ننظر إلينا بعيون غيرنا لرأينا قوماً منغلقين على أنفسهم أشد الانغلاق، يرفضون الاختلاف، ويأبون حرية المعتقد حتى لو تعلق اﻷمر بمذاهب لا تختلف عما عندهم سوى اختلاف يسير، وما الحروب الطائفية التي تمزق بلداننا اليوم سوى تجلٍّ عنيف لذلك.

يذيل الإنسان آخر أولوياتنا في كل شيء، حتى وإن كنا نزعم العكس في خطاباتنا البعيدة كل البعد عن واقع نعيشه.

المجتمع العربي الذي كان له في الماضي نصيب وافر في تحرير العقل البشري من خموله ومن سجونه بشتى أصنافها يقدس اليوم رجل الدين الذي يحدّد ما يسمح ولا يسمح باعتقاده حتى في مجالات العلم والفكر وآي الحدود يستطيع المثقفون أو لا يستطيعون اجتيازها، أما المثقف فقد استقال من دوره في قيادة المجتمع إلى التغيير وزرع الأسئلة اﻷلغام فيما أصبح لدى الخاملين فكرياً من المسلمات، وأسلم المجتمع رغبة عن المواجهة إلى تفكيره الخرافي السقيم.

وعلى الرغم من إدراكنا للانحطاط الذي نعيشه لا يبدو أننا نحاول الإفلات منه، لكن نحاول ترسيخه كأننا فقدنا الحس بالاتجاه، فرحنا نسير القهقرى بدل التقدم إلى اﻷمام.

لقد أسهم الإسلام السياسي الذي يتبنى مشروعاً نهضوياً في أدبياته من دون قصد وبشكل كبير في الحفاظ على الجمود الحضاري الذي نعيشه كما هو، كما أسهم الاستعمار اﻷوروبي وعلى آثاره الدولة الوطنية بقصد وبغير ما قصد في انتشار وترسيخ تلك القراءة الثورية المستحدثة للدين حين قوّضا أركان الإسلام التقليدي بالحد من نموه والتضييق على معاهده العريقة أو محاولة استتباع رموزه.

بخلاف الإسلام التقليدي، يفتقر الإسلام السياسي في رؤيته الخاصة إلى البعد الإنساني اﻷشمل للدين الحنيف، هذا الافتقار يتجلى حسب تدرج الطيف الأيديولوجي للتيارات المختلفة فيظهر في أقصى أشكال تطرفه في وحشية طالبان أو داعش، وما على شاكلتهما من جماعات مقاتلة، وفي أحسن أحواله في انعدام القدرة على التواصل مع الآخر، أو حتى رؤيته لدى اﻷحزاب أو المجموعات اﻷكثر اعتدالاً أو اﻷقل تطرفاً.

وللإنصاف فإن العلمانيين العرب -مع التحفظ على هذا التوصيف- لا يختلفون في شيء من حيث الغلو والإقصاء، بل إنهم أشد تطرفاً وأشد إقصاء من غيرهم.. فهم يضفون هالة من التقديس على مبدأ يفترض به أن يكون حيادياً يقف من جميع الأطياف الدينية على مسافة واحدة حتى يتسع مجال السياسة فسيحاً للجميع، ويبيحون على ركنه المبارك كل أنواع الاستئصال والإقصاء والحرمان من الحقوق.. فلا بأس من ارتكاب المجازر في حق المعتصمين والزج بالآلاف في السجون من أجل مواقفهم أو آرائهم، ولا بأس بحكم العسكر فهو عين الحرية والديمقراطية حين يعني ذلك الإطاحة بالإسلاميين ولو عبر الانقلاب على رئيس منتخب.

أليس ما جرى ويجري في مصر السيسي بمباركة هؤلاء فظيعاً بكل المقاييس حتى لدى أكثر الناس رفضاً لأفكار الإخوان ممن لم تفقدهم توجهاتهم الفكرية بوصلتهم الإنسانية؟

إن الإقصاء كالرحى البعد بين طرفيها دورة والرحى كحكم العسكر لا تعرف التفريق.

نحن ما فتئنا نلون الإنسان حسب موقعه من الطيف الطائفي أو السياسي، فإن كان في جانبنا استحق العطف ومنزلة الضحية من قلوبنا، وإن كان في غير جانبنا فإنه لا يستحق الوجود أصلاً، ألا تهولنا جرائم النظام وحلفائه في سوريا ثم نتغاضى عن مآسي ضحايا القصف والحصار في اليمن لتنقلب المعادلة لدى بعضنا الآخر ممن يقفون على الطرف الآخر منها؟

نحن والغرب ضدان يقفان على طرفي التاريخ.. نرى في الغرب استمراراً مشرقاً لماضينا الذي لم نستطِع ربطه بأسباب واقعنا المعاصر، ويرى الغرب أننا نجسد ماضيه المغرق في الظلم والظلام بكل حذافيره المرعبة، نكره حين ننظر في مرايا الغرب قصورنا البعيد عما نصبو إليه ويكره الغرب ما يراه في مرايانا من جمود وهمجية.

ما أحوجنا إلى مراجعة اﻷبجديات التي تضبط علاقاتنا ببعضنا، وبالآخر كي نتحرر من أوهامنا ومأزقنا الحضاري، مراجعة تجعل الإنسان دون تصنيفات محور كل فكرة، حركة، نظام، أو ممارسة، نقرر بعدها أن كل رفض للآخر استبداد، وأن كل إقصاء مرفوض، وكل تمييز مهما كانت مبرراته بين الإنسان وأخيه إجرام.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.