المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبدالغنى الحايس‎ Headshot

ذكرى هزيمة ام انتصار

تم النشر: تم التحديث:

راجعين للميدان
ثورة ثورة حتى النصر
ثورة ثورة في كل شوارع مصر
يا حرية فينك فينك أمن الدولة بينا وبينك
يا أبو دبورة ونسر وكاب إحنا إخواتك مش إرهاب.

مرت خمس سنوات على تلك الهتافات، والتي كان يصدح بها مدوية تهتز لها الأبدان، عندما كان يصرخ بها شعب مصر رافضاً الظلم والفساد، ومحطماً كل قيود الخوف. آملاً في غد أفضل ولتحقيق الحرية والعدالة الاجتماعية.

ولكن للأسف، وبعد مرور كل تلك السنوات بكل ما فيها من أحداث وتغيرات على أرض الواقع، ما زال هناك البعض القليل الذي يلبس ذلك الرداء الثوري، بعد أن احتكره على نفسه وواصماً غيره بالخيانة والخنوع والخوف، وما زال واقفاً عند نقطة البداية.

معتقدين أنهم من يهبون صكوك الثورية لمن يشاءون ويسلبونه ممن يشاءون من أبناء الشعب. ولم يفهموا متى تهدأ ثورتهم ليفكروا ويتدبروا.. ليحققوا مطالبها، متصورين أن الثورة هي الوطن.. والوطن هو الثورة، غير مبالين بنتائج أفعالهم.

سألت د.يوسف زيدان إبَّان الحكم العسكري وقلت له: ماذا حدث للشباب؟ فقال لي إجابة أعتبرها نموذجية عندما قال: سمع الشباب الجميع يتغني بفعلهم الحميد وهم يقولون الشباب الرائع.. الشباب النقي.. ملايين المرات، فلم يعد يصغي الشباب لأحد ولن يسمعوا لأحد غير أصواتهم فقط، ويجب عليهم أن يصغوا لصوت الحكمة ومقتضيات اللعبة السياسية.

وكثيراً ونحن في الحزب الوليد وقتها حزب العدل، والذي خرج من رحم الثورة، وبه غالبية شبابها، نوضح للشباب المتحمس المندفع الفرق بين العمل الثوري والعمل السياسى. فطاولة المفاوضات أحياناً تفرض عليك واقعاً ينبغي أن نسلم به وإلا نخسر كل شيء، فالسياسة فن الممكن، وإنما العناد والمكابرة ستجعلنا نفقد الكثير مما حصلنا عليه وقد كان فقدنا كل شيء، وتمسكنا بالصوت العالي وفرض الرأى.

ورغم مرور تلك السنوات وما بها من أحداث كثيرة ودروس وعبر من الواضح أنه لم يتعلم البعض منها، ويصر على هتافاته القديمة مصرًّا على صياحة ومتصورًا أن ذلك الصياح هو ما يبني الوطن.

مع أنه ينبغي عليه أن يهدأ كما قال الإمام الجليل الشيخ الشعراوي "على الثائر أن يهدأ من ثورته ليبني الأمجاد".

ولن نعتب على الشباب، بل هناك من نخب كانت تقود المشهد في وقت ما عندما وضعت في موضع المسؤولية بالحكومة، وكان بإمكانها تحويل الثورة إلى أداة فعالة للبناء، ولكنه هرب وترك كل شيء خلفه وعاش في دور التاجر الذي يزايد بعباراته وتويتات يقدسها البعض مع أنه من المتخاذلين في الواقع الحقيقي.

وآخر يلبس رداء الناصرية باحثاً عن نصرة المظلومين والضعفاء، ومتاجراً بآلام كل الكادحين بعبارات رنانة تجذب القلوب ومتصوراً أن بعباراته تُبنى الأوطان وتصلح ما أفسدته عقود من التخلف والفقر.

بل والأدهي من ذلك عندما يتكلم البعض باسم الشعب وعلى لسانه ويردد الشعب.. يريد وكأنه حصل على تفويض بذلك من الشعب، وهو لا يعبر سوى عن نفسه أو من على شاكلته.

وأذكر وقت أن هاجمني صديقي أمين عام حزب من الأحزاب الثورية على مقالتي "أحزاب مالهاش لزمة"، وقلت له باختصار "لقد تخطينا المائة حزب سياسي وبصفتك أميناً عامًّا اذكر لي منهم عشرين حزبا فقط وتعالَ نسأل المواطن رجل الشارع البسيط لن يعرف منهم أحد، فقد تقوقعت تلك الأحزاب على نفسها، وغاب دورها الحقيقي، ولم تتواجد في الشارع لتكون لسان حال المواطنيين لتعبر عنهم ولتجد الحلول لمشاكلهم وتكون صوتهم لدى السلطة الحاكمة إنما اكتفت بنشر البيانات والإدانات والشجب والرفض والقبول لما يتواءم مع أيديلوجياتها، وأصبحت تتاجر مثل تجار الكلام ولم تكن يوماً عنصراً فعالاً، لذا ليس لها أي غطاء بشري وليس لها ظهير شعبي يساندها لأنها لم تصل إليهم.

وأقول إلى كل الداعين إلى ثورة جديدة أو خلق حراك جديد عليكم أن تعيدوا التفكير وأن تنظروا إلى كل ما يحاك بالوطن وأن يكون همكم الوطن. فبناء الأوطان بالعلم والعمل والإخلاص ومحاربة الفساد وتصحيح المسار ولن يتأتى ذلك إلا بنا جميعاً.

وعلينا أن نعلم أن هناك دولة وقانون ودستوراً ومعاهدات واتفاقيات بين الدول ينبغي علينا احترامها، فنحن لا نعيش بمعزل عن العالم، وحريّ بنا أن نعيش في دولة يحترم فيها الدستور والقانون لا هتافات الشباب وخصوصاً الذين فرضوا أنفسهم أوصياء على الثورة، متناسين ملايين من شباب مصر المشاركين فيها وعليهم أيضاً أن يعرفوا أن هناك منابر شرعية لتعبر عن الشعب وأن سياسة فرض الرأي بالشارع هي فوضوية لن يجني منها شيء سوى التخريب والتدمير.

ذكر لي شيخ مسجدنا استنكاره على أن تتحول الثورة إلى أداة للهدم والتخريب وأن يتم هدم الدولة وإشعال الحرائق والفتن، وذلك كان يحدث، وقال لي تخيل لو هناك أسرة وخرج عن طوع ربِّ الأسرة أحد أفرادها وتمرد على رب الأسرة الابن أو ابنته وقامت بحرق غرفتها أو تكسير الثلاجة فماذا يكون الحال.

وقفت مدهوشاً للمثال الذي عرضه. ثم قال ينبغي أن يكون هناك حوار وفرض أولويات وليعلم الجميع أن الثورة المطلوبة هي على أنفسنا لأننا لو أصلحناها لنصلح حالنا كله. فكيف لطبيب يشتكي من سوء الأوضاع الصحية، وهو المهمل في عمله. وموظف المرور الذي يشتكي من الفساد وهو المرتشي. والمدرس الذي ينعي التعليم، وهو الذي يجبر الطلبة على الدروس الخصوصية، لأنه لا يقوم بالأداء الأمثل في الفصل والأب الذي يترحم على أيام زمان وكيف كان يقبل يد أبيه قبل خروجه من البيت وهو الذي فشل في تربية ابنه. والموظف الذي يطلب العلاوات والحوافر وهو لا يذهب أصلاً إلى عمله. الفساد من صنع المواطن إما بالمشاركة في صنعه أو بالتغاضي عن مواجهته، فكلنا فاسدون حتى في الصمت العاجز قليل الحيلة ولا نستثني أحداً منه.

وحتى يتقدم الوطن ونصل إلى عيش حرية كرامة إنسانية ووطن بدون محسوبية ولا فساد، وطن ينعم بالرخاء والتقدم وطن ناهض في التعليم والصحة والثقافة والعلم والتكنولوجيا، لن يكون قد الدنيا إلى بنا نحن.. ونحن فقط، عندما يصحو الضمير داخلنا وننحاز للصالح العام ونمحو انتهازيتنا ونرجسيتنا ومصالحنا الشخصية سنبني وطناً يليق بنا.

وعادة تحتفل الشعوب بذكرى ثوراتها لا بأن تقوم بالتخريب والتحريض على العنف، وعليكم أن تعلموا ما تم من إنجازات خلال مرحلة حكم السيسي والمشاريع القومية الكبيرة التي بدأ العمل فيها والأخرى المخطط لها وأن الوطن لن يبني في عام إنما نحن نزرع لنحصد نحن وأطفالنا في المستقبل.

دعونا أن نخرج خارج الشعارات المنمقة والكلمات الرنانة والهتافات الشجية ولنرفع شعاراً واحداً لنحققه جميعاً بتضافر كل الجهود والأيادي "عيش.. حرية.. كرامة إنسانية" ومهما كانت التحديات وكان القصور سنصل ولتكن 25 يناير دائماً دافع إلى الأمام وقوة نستمد منها الطاقة للعمل والتضحية لبناء
الوطن

ولتحيا مصر
وحفظ الله الوطن

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.