المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبدالغنى الحايس‎ Headshot

سيناء ما بين النكسة والتحرير

تم النشر: تم التحديث:

أيام قليلة تفصلنا عن احتفالنا بعيد تحرير سيناء ورفع العَلم المصري فوق أرض الفيروز، مما جعلني أعود بالذاكرة إلى ذكرى هزيمة 5 يونيو/حزيران 67 وما أعقب تلك الهزيمة من نكسة لمصر وللعرب جميعاً ما زلنا نعاني منها حتى الآن.

كانت المعتقلات في تلك الحقبة مليئة بكل المعارضين على طريقة حكم عبد الناصر وكان الشيوعيون واليساريون وجماعة الإخوان وحتى الضباط الذين يثبت عدم ولائهم للنظام قابعين داخل المعتقلات أو الإقامة الجبرية أو النفي سفراء لمصر خارج الحدود.
والزبانية من الجلادين يقومون بعمليات التعذيب اليومية بانتظام، ثم يقوم عبد الناصر بغلق مضيق تيران، ومعنى ذلك أن هناك مواجهة حتمية بين مصر وإسرائيل، وعلى الجيش أن يستعد لتلك المعركة المتوقعة.

ولكن كان المشير غارقاً مع حوارييه من قادة الجيش في خلق المؤامرات وصنع تيار موازٍ ضد سلطة عبد الناصر، الذي فشل برغم ما يملكه ناصر من كاريزما مغناطيسية من الإطاحة بالمشير أو حتى الإطاحة بأحد حوارييه من قادة الجيش، أي أن عبد الناصر لم يكن يملك سلطة حقيقية على الجيش، وراح يخلق تيارات موازية لمجابهة سلطة ونفوذ عامر بالتنظيم الطليعي تارة والاتحاد القومي تارة أخرى والاتحاد الاشتراكي تارة؛ ليشكل قوة من الجماهير تستطيع أن تقف وراء ظهره وقت الأزمة، وهو من ألغى الأحزاب السياسية وفتك بكل معارضيه كل على حدة، حتى رفاقه في انقلاب يوليو/تموز 52 لم يسلموا من الأذى.

المهم حدث الهجوم المتوقع من الإسرائيليين صبيحة الاثنين 5 يونيو/حزيران في الساعة 7.30 صباحاً على كل مواقع الطيران المصري المرابض على الأرض، وفي حظائره، وأتمت الطائرات الإسرائيلية مهمتها بنجاح بالغ، وبدون أدنى مقاومة من الجانب المصري، وفي حدود الساعة العاشرة من صباح ذات اليوم كان جيشنا قد خسر سلاح طيرانه، فقد فقدت مصر 304 طائرات من مجموع 449 طائرة، وإسرائيل لم تخسر سوى 9 طائرات فقط.

وفي ذلك الوقت كان الفريق عبد المنعم رياض قائداً للجيوش العربية في الأردن، ورصد عن طريق الرادار تحركات الطيران الإسرائيلي، فأبلغ القاهرة قبل وقوع الهجوم بنصف ساعة، ولو كان هناك يقظة في الجيش المصري، الذي تفرغ للصراع على السلطة وخلق كيانات موازية متصارعة ما وقعت الهزيمة، وفك رموز شفرة رياض وواجه العدو.

ولكن المحزن أيضاً هو أنه، أي رياض، طلب من الأردن وسوريا القيام بعملية رد سريع لضرب ممرات الطيران الإسرائيلي حتى لا يستطيع الهبوط ويفقد وقوده وتكون ضربة بالمثل، ولكن ماطل الجانب الأردني ورفض الجانب السوري طلب الفريق رياض!

على كل حال وقعت الكارثة وتم تدمير سلاح الطيران المصري، وأصبحت قواتنا مكشوفة في مواقعها.

ومما زاد الأمر سوءاً هو إصدار أمر شفهي من المشير إلى القوات المصرية بترك أسلحتها الثقيلة والعودة إلى غرب القناة بدون خطة، وبدون مشاورة من المشير مع قادة جيشه أو الرئيس.

وكان قرار الانسحاب العشوائي يوم 6 يونيو/حزيران مهزلة لم تحدث في التاريخ العسكري كله، وانسحب الجيش كله بدون أن يعرف الفريق مرتجى قائد جبهة سيناء أن الجيش انسحب، وهو دليل على العشوائية في إصدار الأوامر العسكرية، وغياب الضبط والربط والعلم العسكري.

ويقول الفريق محمد فوزي، رئيس أركان الجيش وقتها: إن المشير طلب منه وضع خطة الانسحاب في 20 دقيقة، وعندما ذهب ليجتمع مع ضباطه في غرفة العمليات ووضعوا تصوراً لخطة الانسحاب، قال لهم عامر: لقد أعطيت أوامري بالانسحاب.

ويختلف ويتفق البعض هل كان عبد الناصر على علم بالانسحاب أم لا؟ ويبقى ذلك لغزاً ما بين مؤيد ومعارض، وأن القرار كان للمشير.

وتزداد الأمور سوءاً، وذلك لضعف خبرة أو عدم خبرة من يقود الجيش، عندما طلب من قائد الفرقة الرابعة مدرعة، التي كانت تحمي منطقة المضايق بالانسحاب هي الأخرى، وتركت مواقعها وعلم عبد الناصر الذي اعترض وطلب عودة الفرقة لحماية المضايق، ولكن الوقت كان قد مضى إلى غير رجعة، وحال دون عودة الفرقة واختفاء قائدها اللواء صدقي الغول، وكانت إعادة الفرقة مرة أخرى مستحيلة وخطأ جسيماً؛ لأنه كان سيقضي عليها ويفتح الطريق إلى إسرائيل للوصول إلى القاهرة، فقد تمزق الجيش المصري بالفعل وضاعت أسلحتها هباء، وتشتت الجنود في أرض سيناء، وتم تدمير الستارة المضادة للدبابات التي كانت الآمال معلقة عليها لسحق العدو، ولعدم إبلاغهم بقرار الانسحاب من جانب المشير كانت عرضة للتدمير بقوات شارون هي الأخرى.

وفي يوم 8 يونيو كانت القوات عادت بسلاحها الخفيف، وفي حالة لا يرثى لها من الإعياء، طلب المشير عودة الفرقة الرابعة بناء على رغبة عبد الناصر لحماية المضايق، ورفض الفريق مرتجى ذلك، وكذلك الفريق فوزي، فمعنى ذلك تدميرها، وأن عبد الناصر لا يعلم من الأساس بانسحاب الفرقة الرابعة، وعودتها، وإنما طلب بقاءها في مواقعها.

ولكن حدثت الكارثة وعادت الفرقة الرابعة، جوهرة الجيش المصري، إلى سيناء بدون أي غطاء جوي؛ لتشتبك مع الإسرائيليين وتخسر معركتها، لا لضعف منها وإنما لغباء قيادة الجيش، وخسر الجيش أعظم فرقة مدرعة.

وبذلك تقدم الجيش الإسرائيلي حتى احتل القنطرة شرق وسيطر على سيناء وعلى المضايق، وأصبح الطريق إلى القاهرة مفتوحاً، فلم يبقَ للجيش المصري سوى كتيبة الحرس الجمهوري، التي تم استدعاؤها إلى الإسماعيلية لوقف تقدم الإسرائيليين، ولكن عبد الناصر أمر بإرجاعها واشتبك مع المشير وحوارييه، ولكن كان الأمر انتهى باحتلال سيناء والجولان والضفة الغربية والقدس، وبدأ حلم إسرائيل في بناء دولتها الكبرى.

وفى الوقت الذي كانت فيه البيانات الرسمية في الإعلام المصري تذيع كذباً على مدار 6 أيام عن سقوط طائرات العدو ووقوع جنوده في الأسر كنا خسرنا كل شيء.

وكانت خسائر القوات الجوية في القاذفات الثقيلة والخفيفة 100%، وفي المقاتلات القاذفة والمقاتلة 85% وفي الطيارين 4%، وفي معدات القوات البرية 85%، واستشهد نحو 9800 شهيد، وبلغ عدد الأسرى 3799 أسيراً بين ضابط وجندي.

وكان يمكن تجنب تلك الهزيمة المروعة لو كان الجيش المصري مستعداً للمعركة بالتدريب والضبط والربط، وأن يكون بعيداً عن السياسة والصراع الذي شهدته تلك الفترة بين ناصر والمشير وحوارييهما.

وخرج عبد الناصر ليعلن للشعب تنحيه عن السلطة وإعلان الهزيمة التي وقعت من اليوم الأول وليس بعد ستة أيام.

ولكن الشعب صمد وهتف هنحارب، وخرج ليطلب من عبد الناصر عدم التنحي، ونفع ناصر ما خلقه من تيار موازٍ أدى مهمته بنجاح رغم مسؤوليته عن الهزيمة.

وجاءت حرب الاستنزاف وعودة بناء الجيش المصري والتخلص من كل حواريي عامر حتى كان نصر أكتوبر/تشرين الأول 1973 ومحونا عار الهزيمة، وكان النصر وعودة الأرض كاملة، وعادت سيناء أرض القمر إلى أحضان الشعب المصري ورفعت رايات النصر على كامل الأراضي المصرية.

ولذلك نحتفل كل عام يوم 25 أبريل/نيسان بعودة سيناء كاملة إلى حضن المصريين.
حفظ الله الوطن وشعبه وترابه وأرضه.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.