المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبدالغنى الحايس‎ Headshot

الأخوان

تم النشر: تم التحديث:

كانت الأم تعيش في حالة قلق على أولادها عندما كانوا يخرجون في وقفاتهم الاحتجاجية
ضد التوريث وضد عجرفة النظام. واشتد بها القلق وهي تراهم في حالة من الانهماك في التحضير مع أقرانهم ليوم 25 يناير. كانت ترى في عيونهم الحماسة وتملأهم الثقة بقدرتهم على صنع التغيير و كسر حاجز الصمت والخوف.

كان يتملّكها إحساس بالرعب؛ فهي تعرف بطش زبانية النظام وكانت تقول لهم: "انتوا مش قَدّ الحكومة. فهم عالم مفترية ظالمة لا تراعى دين ولا أخلاق"، ثم تنهي حديثها معهم بالدعاء: "ربنا ينصركم على الظالم وخلوا بالكم من نفسكو".

ودارت الأيام وجاء يوم الحسم، وهم مع أقرانهم كخلية النحل التي لا تهدأ ينتظرون شروق شمس ذلك اليوم ويتمنون الحلم أن يصبح حقيقةً وأن يتجاوب الشعب والشباب معهم في تحركاتهم. ووقفوا جنباً إلى جنب في ميدان التحرير يطالبون بإسقاط النظام حتى سقط
وتغنى العالم أجمع بذلك الشباب الرائع والشعب السلمي الذى واجه جبروت النظام ورصاصه بصدورهم العارية وبهتفات حناجرهم المدوية: "الشعب خلاص أسقط النظام".

وتشتَّت رفقاء الأمس، ذهب كل منهم يبحث عن أهدافه وتاهوا بين أيديولوجيات مختلفة وائتلافات وأحزاب وحركات سياسية ومستقلين ومنظمات مجتمع مدني وجمعيات، وبدأوا الصراع مبكراً. الكل يريد أن يكون صاحب الهيمنة.

وهنا، كانت بداية خلاف الأخوين والذي تعدَّى إلى أبعد ما يكون. وظهر ذلك جلياً في أرجاء المجتمع، وخصوصاً المجتمع الريفي القروي، المنغلق على نفسه والذي تربط أفرادَه علاقاتٌ اجتماعية من رحم ونسب وقرابة ودم. تفرَّق هذا الشمل وانقطع الرباط الاجتماعي المتين، ولم تعد القرية كسابق عهدها يملأها الحب والود والتراحم بين أفرادها. إنما احتدم الخلاف إلى حد تكفير الطرف المعادي لجماعة الإخوان وأنهم ضد الدين ويحاربون الإسلام ويقفون ضد جماعة تحمل لواء الإسلام وتستظل بشعار "الإسلام هو الحل".

وتمر الأيام ويحدث الصدام الوشيك بعد تصاعد أحداث الاتحادية. يقف الأخوان وجها إلى وجه وبعضهما ضد بعض! وكل منهما منحاز إلى فريقه يدافع عنه باستماتة ويرى في قراره أنه الصواب!

يبكي الأخ الأكبر فجأةً وهو يشاهد حالات الاعتداء الوحشي والهمجي من جماعة تحتمي في الدين وتتخذه ستاراً للوصول إلى مبتغاها وهم عزل ويقفون بسلميَّة للتعبير عن آرائهم، فهل يُواجَه ذلك العنف بعنف؟ ولا أحد يُصغي! تزداد حدة الاشتباكات وتنتهى بعشرة شهداء بخلاف كثير من المصابين وفضلاً عن ما تمَّ أَسره بواسطة جماعه الإخوان وتعرض للتعذيب والترهيب.

ولم يقتصر ذلك العنف على تلك الواقعة؛ فقد سبقتها وقائع عديدة حتى قبل توليهم الحكم، بدايةً من تفاوضهم مع عمر سليمان غدراً بدماء الشهداء، حتى خلق حالة الاستقطاب الديني في الاستفتاء على الدستور، واستمرت تلك الحالة بعد فوزهم بالبرلمان ووضع الدستور، وحتى في أثناء حكمهم زادت بشاعة عنصريتهم ومحاولتهم إقصاء الجميع عداهم.

ونستطيع أن نقولها بكل وضوح: إن المجتمع انقسم وحدث به شرخ، يصعب علاجه إطلاقاً إلا بعد أن نطرد من عقولنا تلك الهواجس التي خرَّبت العقول وأنهم ليسوا حماة الدين.

وسط هذا المعترك من الأحداث، كانت تعيش الأسرة في حالة من التشتت والانقسام الذي أصاب المجتمع ككل؛ ففيهم من يؤيد جماعة الإخوان وليس عضواً بها، وفيهم من يؤيدهم بانتمائه إليها، وفيهم من يعارضهم بالمنطق والواقع، وفيهم من يعارضهم كرهاً في عنصريتهم وتجبُّرهم، وكل ذلك طغى على علاقة الجميع بعضهم ببعض.

واستمرت الأحداث في التأزم حتى كان اعتصام رابعة. وكانت الأحداث مشتعلة والأم قلبها ينفرط حزناً على ما جرى لولديها اللذين جمعهما بيت واحد وطعما من طبق واحد. كانت تتذكر مناقشتهما هما وأقرانهما والبيت الذي لا يخلو من أصدقائهما والمكتبة الكبيرة التى تضخمت رفوفها من الكتب، حيث يجلسان بالساعات يقرآن. هل كل تلك الكتب ليس فيها حل لما هما فيه من شقاق وخلاف؟!

جاء أحد الجيران ليخبرها بأن هناك خناقة في المسجد مع ابنها وبعض المعترضين على وجوده في المسجد. وسمعت آخر يصرخ في وجهه: الله لا يقبل لكم صلاة أيها الإخوان الكاذبون".

كيف يقول ذلك لابني الذي يصلي ويعرف حدود الله؟! إنها فعلاً حرب على الإسلام وإن كل من يؤيدون السيسي همج كافرون.

فى تلك اللحظة التقى الأخوان وجهاً لوجه واحتدمت المناقشة:
- انت عجبك اللي بيحصل ده.. هتهدموا كل شيء بتعنّتكم وعنادكم.
- نحن معنا الشرعية ولا بديل عنها، ودونها الدماء كما قال الدكتور مرسى.
- شرعية مين! الشعب خرج بالملايين في الشوارع، كل ده مش عجبك.

- انتوا مزوِّرين.. اسأل خالد يوسف، عمل فوتوشوب وانتم صدقتوه.
- أنا كنت في الحشود.. المسيرة بتاعتنا خرجت من مسجد النور حتى الاتحادية.. ملايين في الشوارع تطالب بإسقاط حكم المرشد.. ملايين مش شوية آلاف اتجمعوا في رابعة! انت لازم تفوق.. البلد بتضيع وانتوا خلاص يجب أن تذعنوا لرأى الأغلبية.

- إحنا اللي بنحشد الحشود وإحنا السبب في نجاح الثورة.
- نجاح الثورة ولا سرقتها. إحنا وقفنا معاكم وانتخبنا مرسي ضد شفيق وإحنا برده اللي بنقولك دلوقتي: كفاية.. أنتم فشلتم في كل المناحي ومشروعكم طلع فنكوش.
- انت قليل الأدب زي كل مؤيدين السفاح. هان عليك دماء شهداء رابعة! انت مشفتش اللي أنا شفته. كانوا بيتقتلوا زي الفراخ.. كان ممكن أكون واحد منهم، كنت هتفرح فيا وتقول: كلب وراح.. زي ماهم بيقولوا!

- طيب تعترف بأن الاعتصام مكنش فيه أسلحة وتعطيل لمصالح البلاد والعباد، وأنتم اللي خلقتوا حالة التوتر يوم زحفكم لدار الحرس الجمهوري ولا المنصة.. انتوا بتتحدّوا جيش معاه سلاح! وكمان في رابعة آلاف خرجت سليمة ليه! وانتم اللي بدأتم الاعتداء برغم أن كل روح كانت غالية وعزيزة؛ لأنها روح شاب مصري أبكي عليها. لكن المرشد يقدر يوقف هذه الدماء! هو تاجر بيكم وأنتم صدقتم كذبتهم ودفعتم التمن ولسه بتدفعوا التمن برغم لو كنت رجعتوا ورا خطوة كان زمانكم في المشهد.. انتم طماعين!
- مرسي راجع وبكره تشوف.

- والشرطة مش هتخلي فيكم حد بره.. ارحم أمك.. أرجوك فات الميعاد للعناد.
- بكره تشوف مرسى راجع وبعدها هندوس عليكم بالجزم وانتوا اللي هتملوا السجون اللي بتبنوها وإحنا هنرجع تاني.
- شكلك مش شايف البلد كويس و"الجزيرة" و"مكملين" بوظت دماغك. مرسي بتاعك ده خلاص.. خلص الموضوع باقى شوية وقت. وضع مصر بيتغير.

- مش أنت اللي كنت بتهتف: "يسقط حكم العسكر"؟! مش انت اللي كنت بتتكلم عن الجيش وهيمنته على الدولة بشركاته واحتكاره لكل حاجة؟! بكره تعرف مقام د.مرسي وتعرف أن الجيش ما هو إلا صانع فاشية ومكمم للأفواه. على الأقل د.مرسي كان سايب الكل يتكلم براحته.
- بص يا حبيبي.. كفاية خلاف وتعالى ننسى اللي فات ونقرأ الفاتحة على كل الضحايا ونبني البلد علشان ولادي وولادك.. هو دا الأهم.

- احنا مش ممكن نحط إيدينا في إيد بعض؛ إيدكم كلها دم، والسفاح مش ممكن يبني.. إحنا لازم نبني على نضافة واللى معملنهوش في 25 يناير هيتعمل المرادي.. الكل هيحاسب والثورة هي اللي هتحكم، وكل أذناب السفاح هتتحاكم وبكره تشوف.

- ماشي خلينا نشوف.. إحنا هنستحمل وهنبني البلد اللي انتوا بتاكلوا من خيرها، وهنستحمل لأنكم مننا، ولكن هتدفعوا التمن؛ لغدركم وجهلكم، ووقتها مش هنبكي ولا هنضعف من اللي هيحصلكم.

- إحنا مستعدين للضريبة دي، وياما كتير قبلنا دفع من حياته وأمواله ووقته في سبيل مبدئه. انت شايف الفساد اللي في البلد، في كل مكان فساد ومحسوبية وفوضى، كان هيقضي على كل ده، لكن مؤامرة من كل الفاسدين ومن الجيش والشرطة.. ومؤسسات البلد الفاسدة ضده وقفت التغيير، لكن إحنا هنغير، لو حتى دخلنا كلنا السجن يبقى ظلمهم هيخلينا نصنعلكم انتوا الحرية وانتوا عايشين عبيد للبيادة.

- أنا معاك أن فيه فساد وأن فيه مؤامرة، لكن ليه نرمي نفسنا للتهلكة.. لازم نعرف حجم قوتنا وأن لولا الجيش وقف معانا في 25 يناير وفي 30 يونيو مكنش هيحصل تغيير.. فين البديل المدني؟! ولا الأحزاب الضعيفة ولا الدولة بمؤسساتها دى هتكون في طوع مدنى تاني! البلد فيها أمية وإعلام مغيِّب العقول. لازم نتعلم ونعلم ولادنا كويس ونفهمهم الحقيقة، والتغيير هيحصل هيحصل.. بلاش تضيع نفسك وعمرك في سجن مالوش لازمة. السجون فيها شباب كتير مظلوم وتهم ملفقة، والسجان عايش في جبروت وظلم وإحنا مش قده.

- لو كل واحد قال كدة مش هيحصل تغيير.
خلينا ندّى للراجل فرصته، وبعدين لو خرج ضده نفس الأعداد ولو سياسته قمعية وفاشلة أكيد الشعب مش هيسكت.. إنما انتم كل حوادث الإرهاب بتكون من نصيبكم.. أومال مين اللي عايز يهدم البلد! كفاية.. لا سياحة شغالة واقتصاد منهار وديون متلتلة حرام عايزين نفوق!

- هنفوق والشمس هتطلع بيوم جديد مفيهوش قمع ولا تعذيب ولا فساد ولا محسوبية.
- انت بتحلم.. لازم يحصل مصالحة الأول، وطالما الشعب مقسوم يبقى انسى.. ناس بتبني وناس بتهد.. والله حرام، كفاية.. عايزين البلد تبقى كويسة.
- الحوار معاكم من غير فايده، وكفاية لحد كده ومتشكر لنصايحك.

الأم تبكي، والأخوان تركاها، وكل واحد منهما سار في طريق مختلف.
وللحديث بقية..

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.