المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبدالغنى الحايس‎ Headshot

قالوا عن عبد الناصر

تم النشر: تم التحديث:

نحن من جيل تعلم أن جمال عبد الناصر هو أول رئيس لمصر بعد عهد الملكية، وأنه قائد حركة 23 يوليو/تموز 1952، وكثير من الكتب التي صورت لنا عبد الناصر بالزعيم القومي الوحدوي، والقائد الملهم، مع أنه حكم 18 عاماً وتركنا في حالة اقتصادية سيئة وسيناء محتلة وجيش ضعيف انشغل بالانغماس في الحياة المدنية بعد أن ترك ثكناته.

ولنا أن نسرد بعضاً من آراء الضباط الأحرار في عبد الناصر وغيرهم من الشيوعيين واليساريين الذين اكتووا بنار التعذيب والاعتقال في عهده، فيقول حسين حمودة، وهو أحد الرعيل الأول من الضباط الأحرار، إن عبد الناصر أراد أن ينفرد بالمجد وحده، ولكي ينفرد بالمجد لا بد له من الانفراد بالسلطة فتتبع من توهم مزاحمته له في ذلك المطلب بالاعتقال والتعذيب الوحشي والمحاكمات الظالمة حتى قلم أظافرهم واستبد بحكم مصر وحده، كما كانت لدى عبد الناصر خاصية انتهاز الفرص وتدبير المكائد ولا يهمه في سبيل الوصول إلى غرضه شرف الوسيلة، فأساء إلى من أحسنوا إليه، وتآمر ضد من غمروه بفضلهم، وتنكر لمن قدموا له معروفاً، وظل كذلك حتى وفاته.

ويقول: كان دستوره وقرآنه وإنجيله كتابه الأمير لميكافيلي.

ولا ننسَ أن عبد الناصر دبر نهاية محمد نجيب ومن بعده رشاد مهنا، ثم بطش بالماركسيين وحل الأحزاب السياسية، وبطش برجالها، ثم دار على الإخوان المسلمين على مراحل، وزج بكل معارضيه ومنتقديه في المعتقلات، والتي كان فيها كل أنواع التعذيب حتى صوروها أنها فاقت معسكرات النازي، باستثناء أفران الغاز فقط.

ويقول اللواء محمد نجيب، أول رئيس لمصر بعد انتهاء عهد الملكية وقائد تنظيم الضباط، الذي لولاه لما كتب لتلك الحركة النجاح، إن عبد الناصر عندما غدر به لم يحافظ على الأصول ولا التقاليد وتعامل معي كأنني لص أو مجرم شرير ولم يحترموا رتبتي ولا مركزي ودوري وألقوا بي في أيد لا ترحم، وقلوب لا تحس، وبشر تتعفف الحيوانات من الانتساب إليهم، وإن عبد الناصر وشلته سعوا طوال الوقت إلى التخلص من الضباط الذين لم يتبعوا سياسته، وتخلصوا منهم بعد أن كمموا أفواه المدنيين، وسعوا إلى تشريد العسكريين، وبعد أن كنا نقرب الشرفاء أصبحوا يقربون المنافقين ماسحي الجوخ.

ويقول خالد محيي الدين، عضو مجلس قيادة الثورة، ومن تمت الإطاحة بهم مبكراً لتمسكه بالديمقراطية، وعلى الرغم من روح الحب التي ينقلها خالد في كتابة "الآن أتكلم إلى عبد الناصر"، فإنه ذكر: "وهكذا بدأت حسابات السلطة تدخل فيما بيننا، وتلك الحسابات التي كان جمال أول من مارسها وأكثر من أتقنها، ثم يرى أن هزيمة يونيو/حزيران 1967 لم تكن هزيمة عسكرية، بل هي في الجوهر هزيمة سياسية، ثم يذكر خالد محيي الدين إنه بعد الهزيمة كانت هناك فرصة للديمقراطية، وتقتضي أن يقدم عبد الناصر تنازلات للشعب، ولم يكن عبد الناصر رغم الهزيمة مستعداً لتقديم أي تنازلات، ويدل ذلك على انتهازية جمال عبد الناصر.

ويقول عبد المنعم أمين، وهو أحد أعضاء مجلس قيادة الثورة، يقرر صراحة تأييده لجمال عبد الناصر، ويؤكد أننا بحاجة إلى ديكتاتورية صناعية طالما أننا قررنا إقامة ديكتاتورية عسكرية.. هذا يؤكد اتجاه التنظيم في شكل حكم مصر بعد سقوط فاروق والتخلص من كل المعارضين.

ثم ننتقل إلى عبد المنعم عبد الرؤف الرجل الثاني في قيادة مجلس قيادة الثورة في مذكراته "أرغمت فاروق على التنازل عن العرش"، ورحلة عبد المنعم طويلة جداً، فقد ظلمه زمانه وذاق حياة النفي والتشريد، وحكم عليه عبد الناصر بالإعدام، ولكنه استطاع الهروب، ولم يعُد إلى مصر إلا في عهد السادات، واستقبله ممدوح سالم وزير الداخلية بالمطار، وأسقطت عنه جميع التهم، يقول: إن عبد الناصر له مزايا وعيوب، أما عن مزاياه فهي طموحه، وأما عن عيوبه فهي حقده وخبثه وقسوته.

ويقول الدكتور فتحي رضوان الصحفي وأحد معتقلي سجون عبد الناصر، إنه كان فرعون مصر، وإمبراطور روما، وقائد التتار، وهتلر ألمانيا، وسالازار البرتغال، ولكن هناك منا من يزعم اليوم أنه كان اشتراكياً.

ويقول إلهامي سيف النصر في كتابه "معتقل أبوزعبل": إن عبد الناصر خدع الشعب خديعة كبرى، عندما رفع لواء الدستور والقانون في أول بيان للثورة، وعندما تمكن من الحكم داس الدستور والقانون بقدميه، ولم يسمح برأي مخالف، ولا حتى بمحاكمات عادلة، وزج بمعارضيه في السجون بدون رحمة، وحرمهم حتى من حقوقهم الإنسانية، وأهان آدميتهم، فهكذا كان يحكم عبد الناصر.

ثم يقول د. عبدالعظيم أنيس: ظهرت إنسانية عبد الناصر في أنه ترك سجناء الرأي بدون مورد للرزق، وترك أسر المعتقلين لأهل الصدقة، وأذلهم بعد عز، وإنه كان نظاماً فاشياً ولم يسمح لزيارة زوجتي لي إلا بعد أربع سنوات ونصف من الاعتقال.

ويذكر الدكتور لويس عوض أن عبد الناصر سيدخل التاريخ باثنين من أهم إنجازاته هما تصفية الشيوعية وتصفية الديمقراطية، ليس فقط في مصر، بل في العالم العربي، فهذه كانت اشتراكية عبد الناصر، التي تبعد كل البعد عن النظم الاشتراكية الحقيقية. وقد دمر عبد الناصر مبدأ القومية المصرية والحقوق والحريات والديمقراطية، بل ودمر حرية التفكير والإبداع والتعبير والعمل، وأهان القانون والدستور، فهكذا كان نظامه مع زبانيته.

ولكن الأغرب من كل ما سبق، ومع كل ما قرأت عن تلك الحقبة من هؤلاء الذين اكتووا بنار التعذيب والاعتقال، وتلقوا الإهانات والتنكيل وسحلوا ووقفوا عرايا في التشريفة اليومية صباح مساء، هم أشد المدافعين عن نظام جمال عبد الناصر.

وهذا هو السؤال الذي يحيرني دائماً وحتى تلك اللحظة: من أين اكتسب عبد الناصر كل ذلك الحب الذي ظهر في جنازته؟ ورغم ذلك لا نملك إلا الرحمة له من الله فهو بين يدي العادل الحق.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.