المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد الفتاح ماضي Headshot

كيف تقوي المعارضة منتهكي حقوق الإنسان؟

تم النشر: تم التحديث:

صدر منذ أسابيع تقرير لمنظمة العفو الدولية عن مصر راصدا العديد من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان خلال العامين 2015 و2016. وفي الواقع يكفي انتهاك واحد منها لتغيير حكومات بأكملها أو لإيقاظ كل القوى الوطنية المعارضة ودفعها إلى نبذ صراعاتها العدمية وخلافاتها القديمة والتكتل وراء هدف واحد هو إنقاذ مصر ووقف عملية الهدم المنظم التي تتعرض لها البلاد منذ سنوات.

أقر التقرير باستمرار تدهور وضع حقوق الإنسان مؤكدا أن السلطات فرضت "بشكل تعسفي قيوداً على حرية التعبير وحرية تكوين الجمعيات وحرية التجمع السلمي، وسنَّت قانوناً قمعياً جديداً لمكافحة الإرهاب، وقبضت على عدد من منتقدي الحكومة وزعماء ونشطاء المعارضة السياسية وزجَّت بهم في السجون، كما تعرض بعضهم للاختفاء القسري. واستخدمت قوات الأمن القوة المفرطة ضد متظاهرين ولاجئين وطالبي لجوء ومهاجرين. وتعرض بعض المحتجزين للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة. وأصدرت المحاكم مئات من أحكام الإعدام والسجن لفترات طويلة إثر محاكمات جماعية فادحة الجور."

كما تحدث التقرير عن ما يسمى قانون مكافحة الإرهاب الصادر في أغسطس 2015 والذي "يعرِّف "العمل الإرهابي" بعبارات مبهمة وفضفاضة للغاية، ويمنح رئيس الجمهورية صلاحيات "باتخاذ التدابير المناسبة للمحافظة على الأمن والنظام العام"، وهي صلاحيات مماثلة لتلك الممنوحة بموجب قانون الطوارئ. كما ينص القانون على إنشاء محاكم خاصة، ويقضي بفرض غرامات باهظة على الصحفيين الذين ينشرون أو يذيعون أو يعرضون أخباراً عن أحداث "الإرهاب" بما يخالف البيانات الرسمية."

وجاء في التقرير أيضا أن "هناك افتقار فادح للمحاسبة، وكانت معظم انتهاكات حقوق الإنسان تُرتكب مع بقاء الجناة بمنأى عن العقاب والمساءلة."

مر التقرير (كما غيره من التقارير السابقة) بلا أدنى إهتمام من النظام إلا من إدانة للمنظمة المصدرة للتقرير في الأذرع الإعلامية التابعة للنظام، وهذا أمر طبيعي لأن النظام هو الذي ارتكب هذه الانتهاكات.

وظلت الجهود التي تبذل في الداخل لوقف هذه الانتهاكات جهود جزئية وانتقائية ولا تهتم إلا ببعض الانتهاكات تجاه بعض الصحفيين في معظم الحالات. هذه الجهود مقدرة في ظل القبضة الأمنية الباطشة، لكنها - وإن كتب النجاح لبعضها هنا أو هناك - فإنها أبدا لن توقف هذه الانتهاكات ولن تساعد في تقديم منتهكي حقوق الإنسان إلى محاكم عادلة لأن النظام بأكمله هو المسؤول عن الانتهاكات وعن المنظومة الدستورية والقانونية المختلة المصاحبة لهذه الانتهاكات.

لكن التقرير أيضا مر مرور الكرام على من يرون أنفسهم في صفوف المعارضة للنظام في الخارج عدا أيضا بعض الأحاديث الخاطفة في الفضائيات المعارضة للنظام. لقد اكتفى الكثير من معارضي النظام في الخارج بممارسات صارت شبه روتينية، ففي أعقاب كل انتهاك نسمع ونشاهد ردود فعل تعرب عن إدانتها واستنكارها وتوعدها دون أدنى قدرة لا على استغلال تلك الانتهاكات ضمن استراتيجية سياسية واضحة ودائمة أو مشروع سياسي محدد لمعارضة النظام بأهداف ووسائل واضحة، ولا على القيام بحملات حقوقية دائمة تنطلق من منطلقات قانونية وإنسانية واسعة وتسهم في انقاذ عشرات الآلاف من المعتقلين وأسرهم.

لقد تحولت المعارضة لدى البعض إلى مجرد الظهور الإعلامي أو تحقيق السبق الصحفي أو كتابة مقال هنا أو هناك وذلك على حساب العمل السياسي الذي من المفترض أن يتم بتدبر ورشد وكياسة وحسابات دقيقة وحسب خطة أو استراتيجية محددة، على أن يكون الإعلام خادما وتابعا لتلك الاستراتيجية.


لا أعرف متى يدرك المصريون أن عوامل قوة الأنظمة المطلقة لا تتمثل في قدراتها على القمع والتنكيل بمعارضيها ولا بشبكة تحالفاتها الداخلية والخارجية فقط، وإنما العامل الأهم في بقاء هذه الأنظمة - كما كتبت مرارا من قبل - هو في انقسام المعارضة وتشتتها وغياب العقل المدبر القادر على وضع غايات نهائية وأهداف كبرى وأولويات مرحلية، واستغلال ممارسات النظام القمعية ضمن خطة استراتيجية واضحة تعمل بشكل دائم على الضغط على النظام وتوسع قاعدة المعارضة له وتفضح ممارساته في الداخل والخارج، وتنقذ الدولة ومؤسساتها من مخططات الهدم والتخريب.


هذا التكتل هو وحده القادر على التصدي لعمليات التنكيل والقمع، ولمواجهة شبكات المصالح الداخلية والخارجية التي ما ظهرت إلا لملء الفراغ الناتج عن تشرذم القوى الوطنية وادعاء كل فصيل منها أنه يمتلك القدرة على فهم الماضي والحاضر والمستقبل، بل واحتكار الوطنية وامتلاك طريق الخلاص.