المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد الفتاح ماضي Headshot

بيع منغوليا ونجاح الثورة المصرية

تم النشر: تم التحديث:

"أرجو إننا منتكلمش في الموضوع دا تاني." قالها في 13 أبريل/ آذار 2016 مانعا الناس من مجرد إبداء الرأي وبأسلوب غير مألوف بين حكام الدول لا في مصر ولا في غيرها من الدول، فجاءه الرد في 15 أبريل/ آذار عندما خرج الآلاف من الناس مطالبين برحيله وإسقاط النظام.

للتظاهرات دلالات كثيرة لكنها تحتاج بالطبع الى الكثير من العمل والجهد حتى تتحقق أهداف ثورة يناير.

الدلالة الأولى والأهم هي تطور هدف هذه التظاهرات، ففي السابق كان هدف القوى المدنية الاحتجاجية هو المطالبة بإسقاط قانون هنا أو هناك أو الاحتجاج على الاعتقالات والتعذيب، أما اليوم فقد صار الهدف إسقاط النظام ورحيل رأسه.

الرجل الذي جاء عبر خطة محكمة روجت لها أجهزة متعددة وجيش من المثقفين والمذيعين على اعتبار أنه المنقذ في نهاية 2013 والذي نجح في انتخابات بلا تنافس وبلا ناخبين في منتصف 2014، تلقى في 15 أبريل أكبر إختبار شعبي حقيقي بنزول الآلاف من الجماهير ضده هاتفين برحيله مع منظومته الأمنية، وضاربين عرض الحائط بمطالبته الشعب بأن لا يسمع كلام أحد غيره.

اليوم يتفق هدف هذه القوى المدنية مع هدف خصوم النظام الإسلاميين مع اختلاف منطلقات كل طرف، فالقوى المدنية انتظرت في حكمها عليه لترى أفعاله وسياساته الكارثية، بينما كانت قناعة الإسلاميين مبنية على طريقة وصوله للحكم. الآن صار الهدف واحدا لدى الطرفين وهذا تطور مهم.

الدلالة الثانية للتظاهرات هي، كما أكد الكثيرون، أنها كسرت حاجز الخوف لدى قطاعات كبيرة من الشباب الذي كان محسوبا على نظام ما بعد 30 يونيو بعد الكثير من السياسات الكارثية التي ارتكبها النظام. حاجز الخوف هذا كان ولايزال مكسورا لدى قطاعات كبيرة من خصوم النظام الإسلاميين الذين ظلوا منذ صيف 2013 يتظاهرون ويتلقون الرصاص الحي والاعتقالات العشوائية والأحكام المسيّسة.

ولولا القبضة الأمنية الباطشة لإمتلأت الميادين بالاسلاميين وبالقوى الاحتجاجية الأخرى من الإشتراكيين الثوريين و6 أبريل وغيرهم الذين اكتشفوا حقيقة الثورة المضادة مبكرا. اليوم يتفق الطرفان المدني والإسلامي على التظاهر كوسيلة للتغيير، وما عاد هناك من ينتظر اصلاح النظام من داخله كما اعتقد البعض في السابق.

الدلالة الثالثة هي إدراك قطاعات كبيرة من الشعب أن مشكلة الحكم في مصر ليست مسألة أسماء وإنما مسألة كيفية الحكم وأسلوب إدارة الدولة. فبينما لا يكف رأس النظام عن الحديث عن إنجازاته وعن "الدولة" التي "يبنيها" وعن المؤمرات التي تحاك ضده، أدركت قطاعات واسعة من الشباب المحسوب على ثورة يناير أنه كان من الخطأ التساهل مع أسلوب الحكم الذي ترك لأجهزة المخابرات والأمن وبني على الإنفراد والسرية وإدعاء الحكمة والانفصال تماما عن الواقع والعمل بعقلية الأسياد والعبيد. هذا الأسلوب هو الذي أدى الى العديد من الكوارث التي تجاهلها الكثيرون وظنوا أنه من الممكن تداركها.

اليوم وصل هذا الأسلوب في الحكم إلى حد التنازل عن الأرض بشكل في غاية الغرابة والخطورة، فلم نسمع أبدا عن نظام يتسابق المسؤولون فيه لإثبات عدم أحقية بلدهم في جزء من أرضهم وفي شراء شهادات زور من عسكريين وسياسيين ومثقفين وفي القيام بعمليات تلقين مذهبي لقطاعات كبيرة من الجماهير عبر الاعلام الموجه. أدرك الناس اليوم أن هذا الأسلوب هو المؤمراة الحقيقية على مصر وهو الذي يهدم تدريجيا ما تبقى من الدولة.

الدلالة الرابعة هي إنكسار جبروت القبضة الأمنية واضطرارها للتعامل مع المتظاهرات بقدر أقل قسوة من التعامل مع تظاهرات الإسلاميين منذ 2013 وعدم الدفع بالجيش للشوارع. ربما يكون هدف هذا التراجع هو الحيلولة دون سقوط ضحايا ومن ثم ارتفاع حدة الغضب ونزول المزيد من الناس للميادين، لكنه أيضا كسر سياسة النظام الأمنية وأسقط عمليا قانون حظر التظاهر. أعادت تظاهرات 15 أبريل قاعدة 25 يناير في أن عدد المتظاهرين هو القادر وحده على قلب كل الموازين، وأن القبضة الأمنية يمكن تحييدها إذا نجحت الثورة فعلا في تعبئة الجماهير ضد الفساد والتبعية والقمع.

الدلالة الخامسة، النضال ضد الإستبداد والفساد والتبعية المهينة للخارج نضال مستمر وليس بالضرورة أن تؤدي الكوارث الأكبر إلى إسقاط النظام. نعم الدماء أشد حرمة من أي شيء آخر بما في ذلك الأرض، هذا موقف أخلاقي ومبدئي، لكن إسقاط منظومة الاستبداد والفساد لا تعتمد فقط على الأخلاق والمبادئ كما أن عوامل عرضية أو ثانوية قد تكون هي المدخل الأساسي لإتساع مساحة الرفض وانتصار الحرية. والأمر يعتمد على عوامل كثيرة أهمها مهارات السياسيين ومواقفهم ومدى قدرتهم على استغلال كل نقاط الضعف.

في منغوليا، وبعد سنوات من النضال ضد الحكم الشمولي التابع للسوفيت، كان اللقاء الذي أجراه لاعب شطرنج سوفيتي شهير مع المجلة الإباحية بلاي بوي في ديسمبر 1989 - والذي اقترح فيه (مجرد اقتراح من لاعب أجنبي) بيع منغوليا للصين لحل المشكلات الاقتصادية للاتحاد السوفيتي - كان عاملا مهما لدفع جهود الاتحاد الديمقراطي المنغولي الذي شكله الشباب منذ سنوات كتكتل وطني للنضال من أجل انتزاع الحقوق وكسر نظام الحزب الواحد التابع للاتحاد السوفيتي.

كان اقتراح بيع منغوليا ضربة مؤلمة لكرامة الشعب ونجح الشباب في استغلاله لتعزيز حدة الغضب الشعبي ضد النظام التابع للخارج بشكل مهين، وتضاعفت أعداد المتظاهرين في الميادين والمدن وتنوعت وسائلهم حتى نجحت الثورة المنغولية في دفع الحزب الحاكم الى التنازل بعد شهور معدودة في النصف الأول من 1990.

من الممكن أن تكون مسألة الجزيرتين "القشة التي تكسر" مغالطات النظام وتكشف مخاطر أسلوبه في الحكم وتعيد الشعب إلى التمسك بمبادئ ثورة يناير ولاسيما أن الأرض ترتبط بالعرض والكرامة لدى غالبية المصريين، لكن التظاهرات بمفردها لن تحل مشكلاتنا وتعالج الكوارث التي نحياها. هناك أخطاء ارتكبتها كافة القوى السياسية والمدنية لابد من معالجتها ومعالجة آثارها المدمرة فلم تنجح ثورة ما بفصيل واحد، وهناك مشروع سياسي بأهداف ووسائل محددة ومجرّبة لابد أن تضعه وتتوافق عليه معظم القوى السياسية الفاعلة على الأرض، وهناك كوادر وطلائع جديدة لابد أن تتقدم الصفوف. وللحديث بقية.


هذه التدوينة نشرت علي موقع البديل للاطلاع على النسخة الأصلية اضغط هنا

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.