المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد الفتاح ماضي Headshot

الدولة البوليسية

تم النشر: تم التحديث:

هناك نوع من نظم الحكم المطلق يسمى في كتب نظم الحكم «الدولة البوليسية (police state)». هذا النوع لا يمثل «دولة» في واقع الأمر، وإنما هو اختطاف للدولة وتوظيف لها؛ لخدمة مصالح ضيقة كما سنرى.

وقد وصفت أدبيات السياسة حكم ستالين في الاتحاد السوفيتي، وتشاوشسكو في رومانيا، وموسيليني في إيطاليا، والخمير الحمر في كمبوديا، بالدولة البوليسية، بجانب أوصاف أخرى. وتطلق بعض الدراسات والكتب على هذا النوع من الحكم في دولنا العربية اسم «دولة المخابرات (mukhabaratstate)».

تختلف الدولة البوليسية عن «النظام التسلطي (authoritarian regime)» الذي عادة ما يسمح بهامش من الانفتاح والمعارضة والانتخابات غير الديمقراطية، التي لا تؤدي إلى تغيير جوهر المنظومة الحاكمة. وتختلف عن «النظام الشمولي (totalitarian regime)» الذي يقوم على الأيديولوجية الواحدة والحزب الواحد والزعيم الأوحد والقمع المطلق والسيطرة على العقول وفرض الفكر الواحد قهرًا.

كما تختلف الدولة البوليسية عن «الحكم العسكري (military government)» الذي تتعدد دوافعه «الخوف على وحدة البلاد ووحدة المؤسسة العسكرية من اختلاف السياسيين وفشلهم سياسيًّا واقتصاديًّا، أو طموح جنرال عسكري أو مجموعة من الجنرالات...» والتي عادة ما تدافع عن مصالح المؤسسة العسكرية «كنظم التسليح والتدريب والميزانيات ومكانة المؤسسة في المجتمع» أو تعمل لترسيخ الحكم الفردي إذا استطاع جنرال أن يسيطر على المؤسسة وعلى بقية الجنرالات.


الحكم المطلق السري

أما الدولة البوليسية فهي أسوأ اشكال نظم الحكم المعاصرة، وتأتي في معظم الحالات إفرازًا للنظم الفردية والشمولية والعسكرية، أو تأتي في أعقاب فترات اضطراب وفوضى، وتتسم بخاصية رئيسة، هي تحكم أجهزة أمنية ومخابراتية في الدولة والمجتمع والسياسة من وراء ستار، ولأسباب مختلفة قد يكون من ضمنها حماية مصالح مجموعة ضيقة من العسكرييين والمدنيين تسعى للحفاظ على امتيازاتها، أو محاربة قوى التغيير المختلفة، سواء كانت حركات تحرر أو قوى تغيير اجتماعي أو تحولًا ديمقراطيًّا، أو استجابة لقوى ومصالح خارجية.

والدولة البوليسية لا تحترم بشكل مطلق الدستور أو القانون أو أي معايير أخلاقية. أي أن الدستور يكون موجودًا لكنه شبه معطل، وينظر إليه الحكام على أنه وثيقة غير قابلة للتنفيذ. والأحزاب والانتخابات «إنْ وجدت» تكون مجرد واجهة شكلية حيث تقوم جهات أمنية بالسيطرة على المجتمع ب قواه ومؤسساته كافة والطرق كافة المباشرة وغير المباشرة، الأخلاقية وغير الأخلاقية.

كما تتسم الدولة البوليسية بالسيطرة على مؤسسات الدولة من جيش وشرطة وقضاء ومجتمع مدني وجامعات، وتوظيفها سياسيًّا لمصالح ضيقة، والترويج لمغالطات تدعي الحفاظ عليها في الوقت الذي يتم الزج بها في صراعات وخصومات مع بقية الشعب، وزرع الأحقاد بين العاملين داخل هذه المؤسسات.

أي أن هذه النظم تتسم بالاحتكار المطلق للسلطة والاقتصاد من قِبَل عصابة قد لا يكون معظم أفرادها معروفين بالاسم، لكنها عادة تُصدّر شخصًا ما كرئيس للمنظومة، وقد يتطلب الأمر تلميع هذا الشخص ووصفه ببعض القدرات الخارقة، وإيجاد بعض الشعبية له عبر بعض المثقفين والسياسيين.

ولا تعيش الدولة البوليسية إلَّا بالسيطرة المطلقة على عقول قطاعات كبيرة من الشعب بأداتين أساسيتين:

الأولى: السيطرة المطلقة على الإعلام والقيام بعمليات غسيل مخ مكثفة، والترويج لمغالطات وأكاذيب ومشاريع وهمية لجذب المؤيدين للنظام، تحت شعارات لا تنطلي إلَّا أصحاب الغرض والمصلحة أو على محدودي الثقافة والوعي السياسي من المثقفين والسياسيين، ومن عامة الشعب المغلوبين على أمرهم على حد سواء، ولهذا ترتفع دومًا شعارات حماية الدولة وهيبتها ومواجهة المؤامرات الخارجية وغيرها.

الثانية: القمع والتنكيل وترهيب الشعب، وارتكاب العديد من الانتهاكات، حيث لا يتوقف الأمر عند الاعتقال والأحكام المسيسة والإعدامات، وإنما يمتد إلى ظهور فرق موت أو قوات، خاصة مسلحة ترتكب عمليات تصفية خارج القانون واختفاء قسري وتعذيب.

هذا إلى جانب تخويف الناس إما من مصير المعارضين في المعتقلات والمشانق والمنافي، أو من الإرهاب الذي يتربص بالبلاد أو من المؤامرات الخارجية التي يروج لها.

ولا تعيش هذه الأنظمة أيضًا إلَّا عبر تحالفات خارجية تختلف من حالة إلى أخرى، فقد اعتمدت في بعض الحالات على الدعم السوفيتي، وفي حالات أخرى على الدعم الأمريكي. واليوم تحظى هذه النظم وأشباهها على دعم الحكومات الغربية الديمقراطية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، وكذلك على دعم روسيا والصين.

مواجهة الحكم البوليسي

عادة ما تخلّف هذه الأنظمة إرثًا مدمرًا من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، ومن مؤسسات مدمرة أو شبه مدمرة ولا سيما مؤسسات الجيش والشرطة والقضاء والجهاز الإداري للدولة، هذا بخلاف شبكات الفساد المتسعة وتداعيات الفشل في إدارة البلاد اقتصاديًّا، وتداعيات اختراق المجتمع وتقسيمه إلى موالين وخصوم، وعدم ترك أي مجال للرأي أو النقد البنَّاء. وفي بعض الحالات تتسبب هذه الأنظمة في حروب أهلية أو احتلال خارجي.

لكن هناك مصدران رئيسان للخطر على الدول البوليسية، الأول يأتي من الجيوش، أي الخوف من الانقلاب العسكري، ولهذا تقوم الحكومات البوليسية بعمليات تطهير مستمرة لكل من يشتبه في عدم ولائه، كما تحاول دومًا شراء الولاءات ودفع ثمن سكوت البعض.

أما المصدر الثاني فهو تكتل القوى السياسية وتقديم بديل وطني ديمقراطي يثق فيه المجتمع، ولهذا تُفسد الأنظمة البوليسية الأحزاب والحياة السياسية والمجتمع المدني وتستهدف الجميع تدريجيًّا، باعتبارهم مصدرًا للخطر الحالي أو المحتمل.

لم تواجه أي دولة بوليسية بالبحث عن اسم جديد لرئيس جديد، أو بالدعوة لانتخابات رئاسية مبكرة، أو بمحاولة خوض الانتخابات التي تشرف عليها الأجهزة الأمنية، أو بمحاولة الإصلاح من الداخل، أو الدعوة لحماية الدستور أو بغير ذلك من الوسائل التي تطيل في واقع الأمر عمر هذه الأنظمة، وتوفر لها بعض الشرعية، والأهم أنها تستنزف الجهود وتشتتها.

هذه الأدوات قد تصلح مع أنظمة «تسلطية» بها قدر من الانفتاح ويحكمها قدر من المنطق. وهي بالمناسبة لم تصلح مع أي نظام فردي مستبد في الجمهوريات العربية قبل 2011.

في حالات أخرى، وُوجهت هذه الأنظمة من المؤسسة العسكرية بانقلاب، تتلوه مباشرة عودة الجيش إلى ثكناته والبدء في عملية تحول ديمقراطي حقيقية، كما حدث في حالات محدودة وبأشكال مختلفة في البرتغال والفلبين مثلًا.

كما وُوجهت هذه الأنظمة في حالات أخرى تقترب من حالات الدول البوليسية «مثل كوريا الجنوبية وبعض دول أمريكا اللاتينية» بالطريق الأكثر شيوعًا، وهو إدراك القوى الحية في المجتمع وقطاعات واسعة من الجماهير، أهمية تجاوز خلافاتها والتكتل ضد هذه الأنظمة والدخول في عصيان سلمي شامل، وتطوير كل أنواع العمل المنظم على المستويات كافة، السياسية والنقابية والعمالية والطلابية، وحول هدف مركزي واحد، أو تطوير نمط من القيادة الموحدة حول مشروع سياسي، جامع ومؤسسي، يركز على هدف واحد هو التخلص من الدولة البوليسية تحديدًا، وبناء دولة حديثة بنظام ديمقراطي عبر فترة انتقالية تأسيسية جديدة.

وعندما لم يتم كل هذا، وعندما انشغل عقلاء القوم في كل تيار أو مؤسسة بالبحث في قضايا أكبر أو أصغر من أولوية تغيير هذا النمط من الحكم، وإنقاذ الدولة والمجتمع منه أولًا وقبل أي أهداف أخرى، فعادة ما تكون البلاد أمام بديلين، إما أن تنجح الأنظمة البوليسية والقوى الداعمة لها إقليميًّا ودوليًّا في إعادة نفسها، وتقديم أسماء وأشكال جديدة مع الحفاظ على جوهر الحكم البوليسي أو تطويره لنظام تسلطي، به قدر محسوب من الانفتاح، وإما أن تنهار الدولة في فوضى مطلقة قد تؤدي إلى حرب أهلية أو سيطرة عصابة جديدة على الحكم أو تتعرض لاحتلال أو وصاية دولية.

فهل تعي قوانا الحية هذا الكلام؟

هذا المقال تم نشره على موقع البديل للاطلاع على النسخة الأصلية اضغط هنا .

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.