المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد الفتاح ماضي Headshot

متى ينجح التضامن مع الأطباء؟

تم النشر: تم التحديث:

لا فصل بين القضايا الحقوقية والقضايا السياسية، فلولا وجود نظام حكم مطلق لما تجبر جهاز الأمن وترك بعض أفراده يعيثون في الأرض فسادا بدلا من القيام بدورهم الطبيعي في حماية الناس.

وهذا لا يعني عدم دعم النضال الحقوقي للأطباء ضد انتهاكات جهاز الشرطة الأخيرة، لكن على العكس تماما، على الأطباء ونقابتهم النضال ضد هذه التجاوزات بكل الأدوات النقابية والقانونية الممكنة، ويجب أيضا أن تتضامن معهم كافة النقابات الأخرى وكافة التنظيمات والأحزاب والشخصيات العامة والجامعات وغيرهم. فهذا بالطبع نضال نقابي وحقوقي مهم للغاية ولابد أن يتم دعمه وتعزيزه بكافة الطرق السلمية الممكنة.

لكن وفي المقابل لابد أن نفهم أمرين مهمين:

الأمر الأول: فهم أصل كل المشكلات أو المشكلة الأساسية التي تسببت في ظهور مشكلات وأزمات أخرى ومنها انتهاكات جهاز الشرطة.

وهذه المشكلة الأم هي طبيعة السلطة الحاكمة أو طبيعة النظام السياسي الذي يقوم على الإستبداد واقصاء المخالفين في الرأي، وقمع الحريات، وحماية الفساد، ووضع منظومة قانونية ودستورية مهترئة وفاسدة، وغياب أي معايير للثواب والعقاب، وتقنين الاستثناءات والامتيازات، وخلق وظائف طبقية وطائفية، وضياع كل قيم الشفافية والعدالة والمحاسبة، والسيطرة على مؤسسات الدولة وتسييسها وتوظيفها في خدمة بقاء هذا النظام، وإهمال التعليم والثقافة، وسحق كرامة الإنسان، والاستخفاف بكل التداعيات السلبية لهذا النمط من الحكم على المجتمع بقيمه ومؤسساته وقواه.

هذا النمط من السلطة هو المسؤول عن إيجاد جهاز شرطة منفلت وغير خاضع لأي معايير للضبط أو مراقبة الأداء ولا يعرف الكثير من أعضائه معنى دولة القانون والمساواة أمام القانون، ولا الحريات والحقوق، ولا المراقبة والمحاسبة.

هذا النمط من السلطة هو الذي أوجد مغالطات كبرى صار الكثير من العسكريين ورجال الشرطة (والكثير من البسطاء)على قناعة تامة بها وهي أن الاستقرار غير ممكن مع الحريات، وأنه لا يمكن حكم الشعب إلا بالقوة، وأنه لا بديل لهذا النظام الفاسد إلا الفوضى. هذه أكاذيب روجها من قبل الكثير من الحكام الشموليين، وكانت في الواقع سببا أساسيا لكل أشكال الفوضى والتسيب والفقر التي عانت منها مجتمعات هؤلاء الحكام.

وهذا النمط من السلطة هو الذي يعمل على تطبيع "اختراق القانون" وجعله أمرا عاديا في نظر الكثير من المصريين، وأوجد قططا سمانا في كل جهاز ومؤسسة بالدولة، وأوجد طبقات تتلاعب بالمال العام وتستغل النفوذ، وتتباهى باختراق القانون والتحايل عليه.

لم يولد الناس ومعهم كل هذه الآفات، وما حدث هو عملية تنشئة على التسيب واختراق القانون واحتقار الآخر والتمركز حول المصالح الذاتية الضيقة وعدم فهم مفاهيم مثل "الحرية"، "المصلحة العامة"، "المساواة أمام القانون"، "المراقبة"، و"المحاسبة".. وعملية التنشئة هذه وضعت بذورها في الواقع منذ عقود وتركت للتفاعل الذاتي وبحيث أصبح يشترك فيها، بلا وعي، سياسيون، وحقوقيون، وقضاة، وأساتذة جامعات، ومديرون ومسؤولون في مؤسسات الدولة المختلفة، وصحفيون وإعلاميون، ورجال دين، ومدرسون وغيرهم.

الامر الثاني: هو التضامن المشترك من الجميع في كافة الانتهاكات.

ستظل مشكلة الانتهاكات قائمة ما ظل كل قطاع ينتفض عندما يمس فرد من أفراده، فلا يحتج الأطباء إلا عندما يتم الاعتداء على طبيب، ولا يغضب المحامون إلا عندنا يتم التعدي على محام، وينزل المدرسون إلى الشوارع متظاهرين إلا عندما تمس مرتباتهم أو مكافآتهم.. وهكذا.

وهذا في الواقع يعكس استراتيجية واحدة من استراتيجيات الأنظمة المستبدة في البقاء، أي التعامل مع المجتمع كجزر منعزلة عن بعضها البعض، وتجزئة القضايا وإلهاء كل قطاع بمشاكله الخاصة، والتظاهر بمعالجة كل قضية على حدة، وتخريب أي طرق للتضامن المشترك أو مرعفة أصل المشكلات.

تنتهي مشكلة انتهاكات الشرطة ومعها المشكلة الأم (مشكلة نمط السلطة وطبيعة النظام السياسي المستبدة الإقصائية) عندما تكون أصغر قضية لانتهاك حقوق الإنسان لأبسط إنسان في مصر هي قضية كل المجتمع أو على الأقل قضية قطاعات واسعة من الشعب. أي عندما تكون هذه القضايا الحقوقية قضايا عامة يتألم لها الجميع وتناضل من أجلها معظم القوى المنظمة من أحزاب ومجتمع مدني ونقابات وإعلام وجامعات كل بحسب الطرق السلمية المتوفرة له للرفض من تظاهرات واحتجاجات ووقفات واعتصامات واضرابات ومن حملات حقوقية أمام المحاكم الوطنية والمنظمات الحقوقية الإقليمية والدولية، وعبر كافة أدوات الإعلام والتواصل الإلكتروني.

يبدأ التغيير الحقيقي والشامل عندما تحتج نقابة الأطباء على مقتل أحد العمال في المحاجر، وعندما ينتفض القضاة غضبا من انتهاكات الشرطة في الجامعات، وعندما يضرب أساتذة الجامعات احتجاجا على قمع العمال، وعندما تتضامن الصحافة مع قمع حرية الرأي في المدارس والجامعات، وعندما يعتصم الطلاب والعمال احتجاجا على إهانة طبيب أو قاض أو صحفي.

وبغير هذا النوع من التضامن المجتمعي المشترك، قد يحقق كل فصيل وكل قطاع نجاحات محدودة هنا أو هناك، لكن ستظل هذه النجاحات عرضة للالتفاف عليها، وستظل المشكلة وستتكرر في المستقبل.

إن معالجة المرض لا تكون أبدا بإزالة بعض الأعراض الجانبية وتجاهل أصل الداء الذي هو طبيعة السلطة القائمة على الإستبداد والفساد والإقصاء والتبعية. ولن يتم هذا إلا عندنا تفهم القضايا المجتمعية والحقوقية والطلابية والعمالية والنقابية وغيرها على حقيقتها من حيث كونها قضايا سياسية في الأساس تسببت فيها منظومة مركبة من مؤسسات وقوانين وممارسات الاستبداد.

هذا ما حدث عندنا في السابق في فترات مختلفة من تاريخنا فتقدمت الحركة الوطنية للأمام حتى وصلنا إلى ثورة عارمة في ٢٥ يناير، ولن يكون ممكنا في المستقبل استكمال طريق الثورة إلا عندما يتم تعزيز هذا التضامن من جديد، وهذا أمر نقترب منه، وسيأتي يوم يستنجد فيه منتهكو حقوق الإنسان وكل من يبرر هذه الانتهاكات بقيم العدل والشفافية والرحمة.

هذا المقال نشر على موقع البديل، للإطلاع عليه يرجى الضغط هنا

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.