المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد الفتاح ماضي Headshot

مغالطات معاهدة الصلح المصرية - الإسرائيلية

تم النشر: تم التحديث:

تمر هذه الأيام، الذكرى السنوية للتسوية المنفردة التي توصل لها السادات مع الصهاينة في 26 مارس/آذار 1979 والتي لا يزال المصريون وكل العرب يدفعون أثمانها ويعانون تداعياتها، مثلها مثل كل الكوارث الكبرى الشبيهة كهزيمة 1967 وغزو العراق للكويت.

كانت التسوية المنفردة، مثلها مثل بقية الكوارث الأخرى، نتيجة مباشرة للحكم الفردي المطلق الذي كانت -ولا تزال- تعيشه المنطقة العربية، فقرارات الذهاب إلى القدس المحتلة والتفاوض والتوقيع على التسوية والتنازل قرارات منفردة ولم يعلم بها مسبقاً حتى وزير خارجية السادات الوزير محمد إبراهيم كامل، الذي سمى ما حدث "مذبحة التنازلات".

الحكم الفردي هو السبب الأساسي لكل الكوارث التي نمر بها، وما كانت ثورة 2011 إلا فرصة للإنقاذ عبر التقوية بالشعوب وتعديل موازين القوة لصالح العرب، ولهذا وقف لها خصوم العرب في الداخل والخارج.

قامت تسوية السادات المنفردة مع العدو الإسرائيلي على عدة مغالطات أو افتراضات خاطئة؛ أهمها السبع التالية:

أولاً: إن ما بين العرب والعدو الصهيوني مجرد حاجز نفسي

هذه أكذوبة؛ فما كان -ولا يزال- بين الطرفين أكبر بكثير من هذا، بينهما أراضٍ محتلة، وحقوق مغتصبة، ودماء عشرات الآلاف من الأبرياء، وعنصرية على أساس ديني، وبيوت وقرى تم محوها من الوجود، وحروبٍ توسعية، واستيطانَ مئاتِ الآلاف من الجماعات اليهودية التي تم جلْبها من أوروبا. وكسْر "الحاجز النفسي" الذي تحدث عنه السادات لم يعالج كل هذه الأمور.

ثانياً: إن التسوية ستؤدي إلى إنهاء الحروب وإحلال السلام

هذه أيضاً أكذوبة؛ لأن المشكلة الأساسية هي في المشروع الصهيوني ذاته، وفي الدولة التي أقامها بحد السيف وبدعم خارجي عسكري ودبلوماسي وبتزوير للتاريخ والجغرافيا. هذه الدولة كيان استعماري وفصل عنصري (أبارتهايد) كما أثبتت عشرات؛ بل مئات الدراسات وعشرات القوانين والتقارير الدولية، كان آخرها تقرير اللجنة الاجتماعية والاقتصادية لغرب آسيا (الإسكوا). ودولة الاحتلال والأبارتهايد الإسرائيلي بهذا المعنى كيان غير قابل لإقامة سلام معه.

هذا بجانب أن حروب دولة الأبارتهايد الإسرائيلي لم تتوقف، فقد كان هدف التسوية مع مصر إخراجها من المعادلة حتى يتم ضرب العرب والفلسطينيين، وهذا ما تم فقد احتل الصهاينة بيروت وحاصروا المقاومة الفلسطينية وأخرجوها من لبنان، وقصفوا المفاعل النووي العراقي، وضربوا تونس والسودان وسوريا، واغتالوا العشرات من قادة المقاومة الفلسطينية وغيرهم من العلماء العرب في كل أنحاء العالم، وتعرضت الضفة الغربية وقطاع غزة لحروب مدمرة عدة مرات راح ضحيتها الآلاف بعد الفراغ الذي تركته مصر وتنازع العرب وتنافسهم.

كما لم تؤدِّ التسوية مع مصر إلى السلام؛ لأنها فتحت المجال لمسار تفاوضي مدمر للمقاومة وللحقوق العربية، فقد دخل الصهاينة المفاوضات لأجل تغيير الحقائق على الأرض وسرقة مزيد من الأراضي وإقامة المستعمرات عليها؛ بل وصار العرب يتسولون "السلام" مع الصهاينة منذ قمة فاس مطلع الثمانينات حتى قمة بيروت التي اعتمدت ما سمته الحكومات العربية "مبادرة السلام العربية" وتبنت "السلام كخيار استراتيجي"، على حد وصف هذه الحكومات.

واقع الأمر أن تسوية السادات المنفردة أهدرت -استراتيجياً- ميزان القوة الذي كان قائماً لصالح العرب منذ انتصار حرب 1973 لصالح رهان خاطئ ومدمر.

ثالثاً: استرداد سيناء

هذه مغالطة أخرى، فسيناء عادت منقوصة السيادة في ظل الاشتراطات المجحفة التي فرضها الصهاينة والأميركيون، وذلك من حيث الوجود العسكري المصري وما تبعه من استحالة قيام عملية إعمار وتنمية بسيناء في ظل القيود الأمنية المتعددة، وما يراه البعض بنوداً سرية أخرى.

هذا فضلاً عن أن التسوية لم تقترب من قضايا أخرى جوهرية، فقد أسقطت حق مصر في التعويض عن القصاص من مجرمي الحرب الإسرائيليين الذين قتلوا وأسروا عشرات الآلاف من المصريين خلال الحروب السابقة، وعن الثروات التي تم نهبها في سيناء من نفط وآثار وغير ذلك.

رابعاً: إن التسوية قدمت حكماً ذاتياً للفلسطينيين

هذه مغالطة كبيرة؛ لأن المقترحات التي قُدمت للفلسطينين كانت مجرد حكم ذاتي للسكان دون أي سيطرة على الأرض ودون الدخول في جوهر الصراع وهو احتلال الأرض، والحقوق المشروعة الأخرى كحق تقرير المصير وحق العودة وحق التعويض عن قتل الآلاف وتدمير القرى وسرقة الأراضي، وهذه كلها حقوق مشروعة بنصوص قرارات صادرة عن الأمم المتحدة.

كما كان الأمر كله تمويهاً على الهدف الأساسي وهو التسوية المنفردة مع مصر لإخراجها من الصراع وتفجير الصراعات العربية-العربية، ومن ثم الانفراد بالمقاومة وفسح المجال تغيير الحقائق على الأرض.

خامساً: إن السلام سيجعل مصر تتفرغ للتنمية

وهذا أمر لم يتحقق بالطبع، فالانفتاح الاقتصادي المنفلت الذي تبناه السادات أدى إلى صناعة الكثير من القطط السمان وإلى برامج تنمية اقتصادية مختلة؛ بل والدفع بجنرالات من الجيش إلى التجارة لمجاراة رجال الأعمال.

هذا بجانب تضرر الحياة السياسية، فقد اعترض المجتمع المصري وقواه الحية على التسوية المنفردة، لينتهي الأمر بمقتل السادات بسبب التسوية.

ولقد ظل نظام المخلوع مبارك وفياً لسياسات السادات اقتصادياً وسياسياً؛ بل وتم وضع شرط عدم معارضة اتفاقيات التسوية كشرط لنشأة الأحزاب السياسية.

وفي النهاية، لم تحقق مصر أي إنجاز اقتصادي أو سياسي رغم توقف حروبها مع العدو، ووصلت البلاد إلى الحد الذي صارت فيه تستورد المخدرات "المدعومة" من العدو وتُصدر للعدو الغاز المصري "المدعوم".


سادساً: إن الشعوب العربية سئمت من الحروب وإن التطبيع ممكن معها

هذه مغالطة كبرى، فمصر منذ 1979 تقاوم التطبيع، وكل صور التطبيع التي تمت مع مصر، ومع غيرها من الدول العربية أيضاً، تمت عبر الحكومات العربية فقط وبضغط أميركي مباشر، وظلت أيضاً محدودة النطاق ومحل غضب ونقد دائم من القوى الحية كافة. كما عبّر الأدب والرواية والمسرح المصري الجاد عن هذا الرفض بكل وضوح.

وفي أي استطلاع رأي عربي منصف، يظهر بوضوح الرفض العربي لدولة الاحتلال ولأي تطبيع معها. وفي المؤشر العربي الصادر مؤخراً بالدوحة، وُجد أن نحو 86 في المائة من المستطلَعة آراؤهم يرفضون أن تعترف بلدانهم بدولة الاحتلال بالنظر إلى طبيعتها الاستعمارية العنصرية التوسعية، كما أن نحو 68 في المائة يعتبرون أن أميركا ودولة الاحتلال يشكلان معاً أكثر مصادر الخطر على أمن الوطن العربي.

وبعد ثورة يناير/كانون الثاني، عبّر المصريون عن قناعاتهم الحقيقية (بعد سقوط حاجز الخوف وسقوط مبارك الذي اعتبره الإسرائيليون "كنزاً استراتيجياً") وطردوا السفير الإسرائيلي وأغلقوا السفارة تماماً كما فعل الشعب الموريتاني قبلها بسنوات.

سابعاً: لم يكن هناك من بديل أمام السادات

هذه أيضاً أسطورة غير حقيقية لعدة أسباب؛ فقد كان ميزان القوة لصالح العرب بعد نصر أكتوبر/تشرين الأول كما ذكرنا، وكان من الممكن استثمار هذا النصر للضغط من أجل كسب تنازلات من العدو وليس العكس.

كما كانت هناك خيارات أخرى تتمثل في تقوية المقاومة بجميع صورها، وتعزيز كل صور المقاطعة الاقتصادية، وتوحيد الصف العربي، والعمل على فضح أعمدة دولة الإحتلال و الأبارتهايد وحصارها في المحافل الدولية كافة ومقاضاتها أمام المحاكم الأجنبية، وزرع ثقافة المقاومة بجميع صورها وأشكالها في مناهج التعليم وعبر كل وسائل الثقافة الأخرى، ورفع سقف المطالب والمبادرة بسياسات تحاصر العدو وتطالبه بالتعويض عن اعتداءاته المتكررة.

وفوق كل هذا، كان من الممكن التقوية بالشعوب وإقامة نظم حكم وطنية تختارها وتحاسبها الشعوب.

وما زالت كل هذه البدائل متاحة إلى اليوم.

إن المشروع الصهيوني مشروع متعدد الأدوات، فهو لم يقم بحد السيف فقط، ولهذا فمقاومته لا بد أن تكون متعددة الأدوات أيضاً، وهزيمته عسكرياً غير ممكنة دون مواجهته على المستويات كافة؛ الحضارية والاقتصادية والسياسية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.