المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد الفتاح ماضي Headshot

حديث المبادرات وإنقاذ مصر "3": وضع السياسات أم تغيير السلطة؟

تم النشر: تم التحديث:

ليست مشكلة المعارضة في مصر هي عدم قدرتها على وضع "السياسات" أو "البرامج" التفصيلية لمشكلات التعليم والصحة والبيئة والصناعة والزراعة وغيرها وذلك لعدة اعتبارات، أهمها:

الأول: من الأهمية الاتفاق على طبيعة النظام القائم، فلو كان هناك من يعتقد أن النظام الحالي سيسمح لأحد غيره بالحكم أو المشاركة في الحكم فلا أعتقد أن هناك أي جدوى بإقناعه ببقية هذا المقال، فأنا أنطلق من فهمي لطبيعة النظام الحالي على أنه جاء نتيجة ثورة مضادة مكتملة الأركان، وهذا النظام يقوم على تحالف مجموعة من الجنرالات وأصحاب النفوذ وبعض رجال الأعمال ويتلقى دعماً سخياً من قوى إقليمية ودولية لها أهدافها الخاصة التي ليس من بينها قيام حكم ديمقراطي قوي في مصر.

ولهذا فالنظام لا يعمل إلا لتحقيق مصالح تلك الفئات والقوى، والنظام لم يأتِ للسلطة بطرق شرعية، وكل الانتخابات التي أجراها لا يمكن وصفها أصلاً بالانتخابات لأسباب جوهرية كثيرة تكلمنا عنها مراراً من قبل، والنظام بهذا أقرب -في تصنيفات نظم الحكم المعاصرة- إلى نظم الحكم البوليسي.

الثاني: في ظل هذا النوع من نظم الحكم يصبح الحديث عن إمكانية التداول على السلطة أو المشاركة فيها ضرباً من ضروب الخيال.

نعم لا مستحيل في السياسة كما هو معروف، لكن هناك أيضا سنناً كونية مستمدة من الواقع والتجارب تقول إنه لا يمكن تغيير هذه الأنظمة بالإصلاح التدريجي أو بمنافسته في الانتخابات، فنظام مبارك ذاته الذي كان تسلطياً (وليس عسكرياً أو بوليسياً) لم تصلح معه خطوات الإصلاح الجزئي وكانت الثورة عليه الطريق الوحيد لإسقاطه، أما النظام الحالي - الذي هو أسوأ من نظام مبارك بمراحل - فمثله مثل غيره من نظم الحكم العنيفة -كنظم الحكم المطلقة والفردية والبوليسية- لن يتغير إلا بطرق عنيفة (انقلاب، ثورة، عصيان، حرب) ولن يكون من المضمون أن يؤدي أي تغيير من هذا النوع إلى ديمقراطية حقيقية.

الثالث: التمييز بين وظيفة المعارضة في نوعَي الحكم الديمقراطي والمطلق أمر في غاية الأهمية.

ففي النظام الديمقراطي تضع الحكومات - أو بعبارة أدق الأحزاب الحاكمة - "السياسات" أما أحزاب المعارضة فتستعد للحكم بتقديم برامج بديلة لسياسات الأحزاب الحاكمة ولتقوم -إذا قدر لها الوصول إلى السلطة- بتحويلها لسياسات بديلة، كما يحدث في بريطانيا وأميركا وفرنسا مثلاً.

أما الأحزاب والقوى المعارضة في ظل النظم المطلقة -بجميع أنواعها من تسلطية وعسكرية وشمولية وبوليسية- فلها وظائف مختلفة تماماً عن وظائف الأحزاب المعارضة في النظم الديمقراطية، أهمها:

1- فهم طبيعة النظام السياسي القائم وطبيعة تحالفاته والمصالح التي يدافع عنها فهماً دقيقاً.

2- تحديد الهدف أو الأهداف الأساسية التي يمكن من خلالها مواجهة النظام، وذلك طبقاً لطبيعة النظام الواردة في البند السابق، مع العمل على ترتيب الأولويات وتجنب فتح كافة الملفات الداخلية والخارجية مرة واحدة.

3- زعزعة تحالفات النظام وكسب الأنصار من داخل دوائره بتشجيع الانشقاقات داخل القوى والمؤسسات التي تشكل جزءاً من النظام وتقديم الحوافز أمامها للانضمام للمعارضة أو على الأقل الكف عن دعم النظام.

4- توسيع دائرة المعارضة عن طريق العمل على الحد الأدنى من المشتركات بين القوى والأحزاب المعارضة وتشكيل تحالفات واسعة أو التنسيق القوي لتحقيق الهدف أو الأهداف المشتركة.

5- وضع خطة أو خارطة طريق واضحة لأمرين أساسيين (ليس من بينهما حل كل المشكلات التي صنعها النظام كما يتصور البعض)، هما الأول كيفية معارضة النظام على الأرض وعلى كافة المستويات، وفي كافة القطاعات وتضييق الخناق عليه بكل الطرق السلمية الممكنة لدفعه دفعاً إلى التنازل أو ترك السلطة، والثاني وجود تصور محدد وواضح ومعلن لكيفية إدارة البلاد سياسياً بعد انتهاء النظام، وذلك لفترة انتقالية يتم خلالها وضع الأُطر السياسية والدستورية والقانونية اللازمة لحياة سياسية سليمة بعد انتهاء المرحلة الانتقالية.

6- تعبئة الشعب تعبئة قوية وراء أهداف المعارضة، واستغلال هذه التعبئة من أجل استمرار الضغط على النظام ومنع أي محاولات من جانبه للالتفاف حول التعبئة الشعبية أو اختراق المعارضة.

7- العمل دوماً على تطوير قيادة قوية للمعارضة وظهور كفاءات قادرة على القيام بكل هذه الوظائف وتوزيع الأدوار وتمتلك مهارات العمل السياسي والمناورة والحسم.

الرابع: كتبت سابقاً أننا نجحنا في إسقاط مبارك عندما اجتمعنا على مطالب محددة لتغيير جوهر النظام وليس عندما قدمنا (كما كان يطالبنا أركان الحزب الوطني الحاكم آنذاك) برامج تفصيلية لحل المشكلات التي صنعها الحزب في عقود وصنع معها نظاماً يحجب المعلومات ويقنن الفساد والتسيّب ويحارب الجامعات والمراكز البحثية والحقوقية.

وكان مبارك وحزبه قد مارس ذات الأسلوب عندما طالب المعارضة بوضع البرامج التفصيلية، وكان هدفه من هذا هو إشغال المعارضة بتفاصيل تلك البرامج والعراك حولها ونسيان أصل المشكلة وهو النضال ضد طبيعة الحكم ذاتها.

الخامس: هناك صعوبة كبرى أمام وضع برامج حقيقية قابلة للتطبيق في ظل أمرين أساسيين:
الأول وجود نظام سياسي يحتكر قطاع المعلومات والإعلام ويعمل يومياً على غسل عقول الناس وزرع الخرافات والأكاذيب فيها، والثاني هو تعقد المشكلات أصلاً وعدم معرفة قوى المعارضة والغالبية العظمى من المصريين بالكثير من التفاصيل.

السادس: صياغة مطالب وأهداف تمس الشارع في كافة القطاعات أمر مطلوب بالفعل، والاستعداد لمعالجة المشكلات بجذب الخبراء ووضع الدراسات والمقترحات العامة للعلاج أمر مهم أيضاً، لكن بشرط أن يتم هذا كله دون التأثير على قضيتنا المركزية، وهي تغيير نمط السلطة وانتقالها من يد العصبة الحاكمة إلى حكومة منتخبة شعبياً، وبشرط أيضاً عدم تصور أن دور المعارضة هو إثبات أن لديها حلولاً تفصيلية لهذه المشكلات قبل تغيير السلطة ذاتها.

السابع: لا أعرف مثالاً واحداً ناجحاً قامت فيه قوى المعارضة بوضع سياسات وبرامج تفصيلية في ظل نظام تسلطي، وكان هذا الأسلوب هو شرط لنجاح الانتقال أو تحقيق التحول الديمقراطي.

في جنوب إفريقيا كان التركيز على الحريات وإسقاط النظام العنصري، وفي شرق أوروبا كان التركيز على التعددية السياسية وكسر نظام الحزب الأوحد، وفي أميركا اللاتينية كان إخراج العسكر من الحكم وتسلم حكومات مدنية منتخبة السلطة، وهكذا.

لم يطلب أحد من المعارضة في كل هذه الحالات تقديم برامج تفصيلية للمشكلات الأخرى التي كانت تعاني منها هذه الدول ولا تزال تعاني من بعضها حتى اليوم، ولم نسمع أن هذه المعارضة استعدت لمعركتها مع تلك الأنظمة بأن وضعت هذه البرامج التفصيلية وتصورت أنه مجرد وضع هذه البرامج كفيل بتمهيد الطريق لمنافسة النظام والوصول إلى السلطة، هذا لم يحدث مطلقاً وما تمكنت المعارضة من الوصول للحكم إلا بعد تغيير نمط السلطة في كل هذه الأنظمة.

يشبه مطالبة المعارضة بوضع هذه البرامج التفصيلية إلى حد كبير ما حدث مع المقاومة الفلسطينية عندما قامت دولة الاحتلال وحلفاؤها الإقليميون والدوليون بتحويل الصراع إلى وجهتين لا علاقة لهما بأصل المشكلة (التي هي مشكلة احتلال واستيطان وتمييز عنصري وقمع وقتل)، هما:

(1) تحسين الأحوال المعيشية للشعب القابع تحت الاحتلال من جهة (وكأن الأوضاع المعيشية هي المشكلة وليس الاحتلال).

و(2) مطالبة الفلسطينيين بأن يكونوا ديمقراطيين تحت الاحتلال قبل التخلص من الاحتلال، وبالتالي إجراء انتخابات تنافسية من جهة أخرى، وهذه السياسة أدت في النهاية إلى تجريم المقاومة وتقسيم المجتمع الفلسطيني وظهور مجموعة من رجال الأعمال المستفيدين من الاحتلال.

ما أخشاه هو أن مطالبة المعارضة المصرية بوضع برامج تفصيلية لكافة المشكلات قد يعمل لصالح استمرار النظام واستقراره، فماذا ينتظر النظام أفضل من أن ينشغل الجميع بحل مشكلات الاقتصاد والمرور والصحة والبيئة والعمالة ويتغاضوا عن انتهاكاته الجسيمة ونمط حكمه القمعي، وأن يغيب عن الناس حقيقة أن وجود هذا النظام والمجموعة المتحالفة معه والسياسات التي يضعها هو أصل المشكلة التي تسببت في بقاء تلك المشكلات بل وتعميقها وإغراق البلاد في مزيد من المشكلات.. والله أعلم.

نُشرت في جريدة البديل بتاريخ 4 سبتمبر/أيلول 2016.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.