المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد الفتاح العقيلي Headshot

أن تكون عارياً.. فهذه مصيبة!

تم النشر: تم التحديث:

لا أحد يستطيع أن ينكر ما بداخله من آلام وطموحات وأمل وألم، فمهما حاول الإنسان -بغضّ النظر عن دينه ومعتقده- أن يخفي هذه المشاعر، فبلا أدنى شك ستظهر يوماً ما للوجود، فظاهرة الإنسان ظاهرة فريدة من نوعها لا تشبه ظواهر الكون التي تعتمد على السببية؛ لأن الإنسان ببساطة ميَّزه الله بأن جعل له عقلاً يتدبر ويفكر، كما أنه متفرد في مشاعره وأحاسيسه، ولديه جوانب روحية تحتاج إلى إشباع واهتمام من خلال التأمل في هذا الكون وهذه الأرض، والارتباط بهذا العالم وهذه البيئة المحيطة والتعبير عن هذا كله وعما يختمر بدواخله من أفكار ونزعات.

لكن هذا الإنسان في عالم اليوم، ونتيجة لطغيان المادية المفرطة، نسي أنه إنسانٌ يحس ويشعر بالقلق والتوتر، ولديه حب استطلاع لما حوله من مناظر ومظاهر، فرمى بنفسه في حضارة زائفة هي في الأصل حضارة حيوانية شهوانية، خَلقتْ الأشياء لتُشبع رغبات الإنسان وحاجاته التي لا تنتهي.

وفي خضم هذه الأحداث المتسارعة وفي غلبة التقنية والآلات والمشاغل والحياة المادية الطاغية، نسي الإنسان نفسه وجوهره وجانبه الروحي، فأصبح ترساً في عجلة الزمن يدور حيثما تدور الآلة، وحيثما تدور مصلحته المادية النفعية، نسي أن له روحاً، وقلبا يحتاج إلى إشباع، يحتاج إلى أن ينمو ليكتمل بناؤه الإنساني، وإلا ما الفرق بين الإنسان الإنسانِ والإنسان الحيوان؟

ونتيجة لذلك غلبت على الإنسان المادية، فأحاطته بسياج قوي وثخين من الأمراض النفسية والعقلية (وقائع الانتحار والاكتئاب التي تغزو العالم شاهدة على ذلك، فقد سجلت السويد عام 1967م 1702 حادثة انتحار)، والشعور بالنقص والخواء الروحي والعاطفي؛ لأنه -بطبيعة الحال- لم يستطِع في هذا الجو المادي أن يجد إجابات لما يدور في ذهنه من أسئلة حول الهدف من وجوده ومصيره في هذه الحياة.. من أين جاء؟ ولماذا جاء؟ وهل وجوده في هذا الكون محض صدفة (كما قال داروين وغيره من أصحاب المذاهب المادية)، أم أن ثمة أمراً آخر مرتبطاً بوجوده وعالمه الروحي المعنوي؟

إن كل قوة في العالم تبدأ بثبات أخلاقي، وكل هزيمة تبدأ بانهيار أخلاقي "علي عزت بيغوفيتش".

إن أغلب المشاكل والأمراض التي يعاني منها العالم في هذه الأيام هي في الأصل نتيجة حتمية لانفصال الإنسان عن جانبه الروحي، وتوقفه عن معالجة هذا الجانب في نفسه، ولعل ظهور المذاهب الفلسفية من رأسمالية واشتراكية دليل واضح على أن الإنسان لديه جانب آخر غير الجانب الشهواني والغرائزي المرتبط، على طول الخط، بالمادية المتعلقة بالحاجيات الظاهرة للإنسان، والتي تجعل الإنسان عارياً أمام نفسه وأمام العالم؛ بل أمام البيئة المحيطة به، ولِمَ لا؟ وقد دفعت هذه المادية الإنسان إلى إفساد علاقته بالطبيعة، فهو ليس ابناً لها كما قالوا قديماً،

وإلا لماذا اعتدى على الطبيعة وغيّرَ وبدَّلَ وهدّمَ وجرّفَ ودمّرَ وخرب وحارب وقتلَ؛ بل لم يسلم منه أخوه الإنسان نفسه، فهو لم يفعل ذلك إلا لغلبة الحيوانية والشهوانية عليه، وبذلك أصبح شهوانياً عارياً من الأخلاق وقيم الجمال والحق والتضحية التي تُميز الإنسان البشري عن الإنسان الحيواني، وهذا هو الجانب الآخر؛ الجانب الروحي الأخلاقي الذي يعالج خوالج النفس البشرية من خلال علاقة تفكرية تأملية للكون والطبيعة؛ ليصل الإنسان بذلك إلى أن لهذا الكون رباً خالقاً ومنظماً ومدبراً لشؤون العباد والبلاد، ومن ثم يشبع نهمه الروحي ويصبح لديه طابع إنساني أخلاقي يُغلّف كل ما يقوم به من أعمال في حياته، فتصبح أعماله أعمالاً إنسانية، وبذلك يكون الإنسان إنساناً.

رجل بلا أخلاق هو وحش تم إطلاقه على هذا العالم - "ألبير كامو".

ورغم أن عالمنا المعاصر ينادي بقيم الحق والمساواة والفضيلة وحفظ حقوق الآخرين، فإن كل هذه الدعوات مجرد شعارات زائفة مزيفة، فعالم اليوم تغلب عليه الحيوانية الشهوانية، فأصبح عالماً عارياً من الأخلاق والقيم الإنسانية النبيلة، والأدلة على ذلك كثيرة وواضحة، فما يحدث في البلاد من قتل للأطفال والشيوخ والنساء وترويع للآمنين وتعدٍّ على حقوق الآخرين في الحياة، والاستيلاء على ثروات البلاد والعباد، لهو دليل دامغ على تعرّي الإنسان أمام أخيه الإنسان.. فأن نكون عرايا أمام العالم فهذه مصيبة، أمّا أن نكون عرايا أمام أنفسنا فهذه مصيبة، وأي مصيبة!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.