المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبدالباسط هريدي Headshot

مصر.. ما بين رأسمالية مقيتة واشتراكية عوراء

تم النشر: تم التحديث:

لقد بدا واضحاً عبر العقود الأخيرة الفائتة أن الهوية الاقتصادية المصرية تتبع بالضرورة الهوية السياسية لمن يحكمها، فمن هوية ناصرية/شيوعية أيام عبد الناصر إلى هوية رأسمالية انفتاحية غربية أيام السادات ومبارك، شهدت أوجها فيما قبل ثورة يناير/كانون الثاني المجيدة.

وقد كان لظهور الرأسمالية وظهور وجهها الأسود في نهاية عصر مبارك تأثير كبير في خروج مظاهرات يناير التي طالبت بـ"عيش" قبل طلبها لـ"الحرية والعدالة الاجتماعية"، وفي هذا يبدو واضحاً توجه النظام المصري الحاكم (وأقصد هنا قيادات الجيش في كل مراحله) نحو الرأسمالية والعدول عن الاشتراكية، إلا أن المتأمل في الساحة السياسية الاقتصادية المصرية في الآونة الأخيرة، سيجد عجباً: فلا تعلم هل للرأسمالية أم للاشتراكية نحن أقرب؟

فلو نظرت بعين الرأسمالية ستجد أن يد النظام الحاكم - بقيادة قائد جيشها السابق - قد انطلقت لتبطش بكل مظاهر التراحم الاشتراكية، وأخذت مظاهر الرأسمالية في النمو حتى بدت وحشاً لا يرحم، فمن تعويم للعملة لجذب الاستثمارات والعملة الأجنبية، لزيادة في أسعار المحروقات، لزيادة في أسعار الماء والكهرباء، لزيادة في أسعار السلع، وتذاكر الطيران، والجمارك وغيرها، إلى تقليل من المصروفات الحكومية ورفع للدعم الحكومي عن الأدوية والتموين والصحة والتعليم، وزيادة لضرائب الدخل والمبيعات والسلع المستوردة وغيرها، بالإضافة إلى زيادة الرسوم على استخراج المستندات والأوراق الحكومية والبطاقات وجوازات السفر وغيرها.

وهنا تبدو زيادة الرأسمالية مطردة في اتجاهين بدلاً من اتجاه واحد فقط، فبدلاً من التعويم فقط مع تعويض التضحم بزيادة في المرتبات لتعويض فارق العملة، اتجه النظام الحاكم لتعويم العملة وجباية الضرائب في نفس الوقت، في مثال فريد لتوحش النظام الرأسمالي ليحيا على الجباية، بدلاً من فتح السوق وتشجيع الاستثمار الداخلي والخارجي.

أما لو نظرت بعين الاشتراكية، فسوف تجد أن النظام الحاكم قد وصل به الحال لأن يأخذ من أموال دافعي الضرائب ليقيم مشروعات قومية تستهلك أموالهم ولا تعيد عليهم طائلاً، اللهم إلا بعض النعرات المزيفة في الإعلام بأننا أصحاب مشاريع قومية لم تسبقنا بها أمة من ذي قبل.

وليس ذلك فقط، بل يتعدى الأمر لأن يطلب النظام الحاكم من الموظفين التبرع للمشاريع التنموية الزائفة والصناديق القومية "الاشتراكية" بأموالهم (اتبرع ولو بجنيه، على سبيل المثال) التي فرضت عليها الضريبة من قبل، مستغلاً في دعواته تلك إعلاماً مطيعاً وشعباً مقيدة حريته بنظام ديكتاتوري لا يرحم.

بالإضافة إلى ذلك، تنطلق الدعوات في وسائل الإعلام المختلفة للتبرع بالأموال - التي لا أعلم كيف لشعب ثلثاه تحت الفقر أن يأتي بها - لصالح مشاريع تهدف لعلاج نفس الشعب.

فلك أن تتصور أن حوالي 3 إلى 4 إعلانات من كل 10 في القنوات الإعلامية (المدعومة من رجال النظام الحاكم) تطلب من المُشاهد أن يتبرع لمستشفيات السرطان والقلب والكلى ودور الأيتام والمسنين والملاجئ.

دعوات كلها تظهر للعيان أننا مجتمع اشتراكي، لكن الاشتراكية الحقيقية لا تبدو - مثلاً - إلا عندما يمرض أحد أصحاب المصالح والسطوة فيُأمرُ له بعلاج على نفقة الدولة، أو بالأحرى، على نفقة دافعي الضرائب.

إلا أن المتأمل سيرى أن النظام المصري الحاكم -في الحقيقة- نظام أعور لا يرى إلا ما يصب في مصلحة من لهم السلطة، فهم يريدون المجتمع رأسمالياً حينما يتعلق الأمر بعجز في الموازنة أو لإرضاء متطلبات صندوق النقد الدولي.

فرفع الدعم وزيادة الضرائب (بلا تمييز) يصب بلا شك في مصلحة النظام، أما عندما يتعلق الأمر بإنشاء مرافق خدمية أو مستشفيات أو دور للمسنين فالأمر هنا -في رأيه- يتحتم تكاتفاً بين جميع أبناء القطر، وذلك لأن النظام الحاكم لن يستثمر في مشروع لا يدر عائداً مادياً.

باختصار: النظام رأسمالي أو اشتراكي حسبما تتطلبه مصلحة الموازنة ولا علاقة باختيار أيهما بفكر استراتيجي تقدمي أو خطة مستقبلية حقيقية تسعى الدولة لتحقيقها على المدى الطويل أو حتى القصير، وسبب ذلك ببساطة أن الحاكم ضابط جيش لا يفقه عن الاقتصاد أو التنمية إلا كما يفقه عن النسبية والثقوب السوداء.

في وقت عصيب كهذا، يعمل النظام الحاكم معاوله لنهش مقدرات شعبه وأمواله، مستغلاً سطوته الأمنية والعسكرية -في ظل نظام قضائي فاسد- لتثبيت أقدامه على ممتلكات أفراد الشعب وأحلامهم، لا يهمه في ذلك الكيفية ولا الثمن الذي سيدفعه فقراء البلد ومعدموه، فيظهر نتيجة لذلك نظام لا يتبع رأسمالية ولا اشتراكية ولا غيرها، بل يتبع مصلحته أينما ذهبت، ودون أن يطرف له جفن.

ولهذا ربما يصعب على الناظر في النظام الاقتصادي المصري أن يحدد إطاراً فكرياً يحكمه، اللهم إلا غوغائية تخدم ثُلّةً من المتجبرين.


ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.