المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبدالباسط هريدي Headshot

لماذا يتآمرون على ثوراتنا العربية؟!

تم النشر: تم التحديث:

منذ انتخاب أول رئيس مدني في تاريخ مصر الحديث، لم يبدُ أن دولاً وممالك عربية مسرورة بما وصلنا إلينا في مصر، ولا بما وصلت له الدول المجاورة التي حققت خُطى على درب الديمقراطية.

فقد بذلت تلك الدول والممالك جهدها لإسقاط كل نظام منتخب عن طريق تأليب الخصوم وإغضاب الشعوب ودفعهم لاستعجال نتائج الثورات التي قاموا بها، ووضح ذلك جلياً في افتعال الأزمات الداحلية (أزمة الوقود في مصر نموذجاً) وإغضاب الجماهير (تونس نموذجاً) وتأجيج الانقسامات العرقية والقبلية (ليبيا نموذجاً)، مما أدى لأزمات سياسية واقتصادية أغضبت شعوب الثورات العربية وملأتهم حنقاً على ثورات لم يجنوا ثمارها؛ بل على العكس، كان كل ما رأوه هو انفلات أمني وقتل وتهجير وتردٍّ للأحوال المعيشية وجهل بما هو قادم.

بالطبع، لم تفلت أية دولة من دول الربيع العربي من أي من تلك السيناريوهات، وفي ردود فعلهم فإن الشعوب لها العذر، خاصة أن غالبيتهم يسمع عن الثورات، لكن لم يسمعوا عن التضحيات التي تأتي معها وبعدها على المدى القصير.

هم بالطبع قد سمعوا أو قرأوا عن الديمقراطية والانتخابات وصناديق الاقتراع، لكنهم لم يعلموا كم هو الطريق شائك ومليء بالصعاب (السياسية والاقتصادية)، خاصة في الفترات التي تعقب الثورات ومحاولة استرضاء جميع الأطياف السياسية والدينية والعرقية على دستور ونظام حكم يرتضيهما الجميع.

مع ذلك، لا يمكننا لوم الشعوب التي تسعى حثيثاً - وإن اختلفت طرائق أطيافها وتضاربت - لتحقيق الديمقراطية، لكننا هنا بصدد لوم المتآمر: الخارجي والداخلي على حد سواء.

فالمتآمر الخارجي هنا يريد إفساد التجربة بكل ما يسعى، والسبب في ذلك جليّ واضح: هم لا يريدون نموذج ثورة ناجحاً ينتج نظاماً ديمقراطياً ناجحاً - سياسياً واقتصادياً - يتسبب في إثارة البلبلة عند شعوبهم.

فقط عند تلك المرحلة ستتساءل شعوبهم: كيف لدولة بذلك الحجم (اختَر أنت دولة من دول الربيع العربي) تقوم بثورة تنتج نظام حكم ديمقراطياً تداولياً، وتقضي على الفساد، وتتفوق علينا اقتصادياً مع امتلاكنا لكل هذا "البترول" والموانئ التجارية، وغيرها؟ّ ستتساءل شعوبهم: لماذا من حق الـ(مصري، تونسي، سوري، ليبي) أن يحلم برئاسة بلده في حين يظل حكمنا وحكوماتنا حكراً على عائلة أو شخوص معينة؟ خوفاً من هذه المقارنات يخاف المتآمر الخارجي.

وفي سعي المتآمر الخارجي لتدمير بلاد الثورات العربية، يجدون بأموالهم من يتبعهم من داخل تلك البلاد ومن تتلاقى مصالحه معهم.

وبهذا ينتفع المتآمر الداخلي بدعم مادي ووعد بتسلم السلطة حال نجاحهم في إسقاط النظام المنتخب. وقد حدث هذا فعلاً في نموذج مصر، حيث تولت السعودية والإمارات دعم الجيش المصري بالمال لتأليب الإعلام على الرئيس المنتخب، وافتعال الأزمات الاقتصادية والسياسية، وزيادة الانفلات الأمني، حتى غضب قطاع من الشعب ليس بقليل، وبأموالهم دفعوا لـ"تمرد" وتآمروا مع الجيش والشرطة لفتح الميادين لعمل المظاهرات التى اتخذوها حجةً فيما بعد للانقلاب على ما أتت به صناديق الاقتراع.

وبهذا لم يمضِ الوقت طويلاً حتى انقلب الجيش على الرئيس المنتخب وسارع المتآمر الخارجي إلى إعطاء شرعية للمتآمر الداخلي، بل وأعطاه من الدعم المادي والإعلامي ما مكنه من تولي حكم مصر كرهاً.

اليوم، وبعدما جاء من الجيش المنقلب من يحكم مصر بالسوط، لا تكاد ترى من يستطيع أن ينبس ببنت شفة متحدياً سلطة المتآمر، ومن فعل فمصيره إلى السجون، كما فعل "العسكر" مع زهاء ستين ألف معتقل سياسي وآلاف القتلى والجرحى والمعذَبين والمهجّرين والمختفين قسرياً.

وفي الحرب الشعواء التي يشنها المتآمر الخارجي على دول الثورات العربية، لا يفوته بالطبع محاربة كل مَن يساند دول الربيع العربي، حتى وإن كان المساند من أبناء عمومته. ويزيد حنق المتآمر على مَن يساند الثورات خاصة إن كان ينافسه أو على شفا منافسته فيما يدر عليه مالاً.

وهنا لا يفوتنا نموذج قطر التي ساندت مصر أيام الرئيس المنتخب، فانهالت عليها التحذيرات من كل جانب، ثم انتهى الأمر بمقاطعة وحصار عندما انتوت قطر افتتاح ميناء حمد الدولي الذي يتوقع له أن يستولي على ثلث التبادلات التجارية التي تتم في المنطقة والذي سيقتطع نصيباً كبيراً من التعاملات البحرية لموانئ الإمارات. ولنفس السبب تعاظمت كراهية الإمارات للدكتور محمد مرسي عندما أراد إنشاء مراكز دعم لوجستي حول قناة السويس، والتي ألغاها الجنرال المصري الانقلابي فيما بعد وقام بمشروع التفريعة التي لم تدُر على مصر غير مليارات الديون الخارجية والداخلية.

من هنا، يمكننا القول بأن المتآمر الخارجي يسعى لتدمير الثورات العربية لسببين رئيسيين؛ أولهما سياسي، للحيل دون تصدير نموذج ثورة ناجح يوغر صدور شعوبهم ضدهم، وثانيهما، اقتصادي، حتى لا يشكل اقتصاد بلاد الثورات العربية تهديداً لمصادر دخلهم التي يعتمدون عليها والتي يعلقون عليها الآمال بعد انتهاء عصر البترول.

وفي سعيهم لما يصبون إليه، تتقاطع مصالحهم مع متآمرين وخونة من داخل بلاد الثورات، ويسهم جهل شعوب وطوائف الثورات العربية بحقيقة الصراع الدائر في إفشال ما بذلوه من تضحيات.

ويبقى السؤال: هل من سبيل إلى الخروج مما نحن فيه؟ نعم بالطبع، ولكن لهذا حديث آخر لاحق.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.