المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

السيد عبدالستار عجوة Headshot

ترانيم من السماء

تم النشر: تم التحديث:

حينما كنت في مرحلة الثانوية العامة، أخذت على هاتفي المحمول تسجيلاً لتلاوة قرآنية مجودة من سورة النمل، للقارئ الشيخ عبد الفتاح الطاروطي، كانت قد ذاع صيتها حينذاك، أذكر أنني قد انبهرت بأدائه انبهاراً كبيراً، وداومت على سماعها مرات ومرات، ثم صرت أتحسس خطى ذلك الطريق الممتع، وحصلت على تلاوات عديدة له، حتى أشبعني بصوته العذب الرقراق الذي يتهافت على القلوب قبل المسامع،

فتألمت حزناً عندما كان يتلو من القرآن الكريم آيات وصف النار والعذاب، فكان يغمض عينيه ثم يتلو بمقام الصبا الحزين، فتنادي ألسنة المستمعين: سلم يا رب، وكيف كان يقابل ذلك عندما يتلو من آيات القرآن ما يصف حال أهل الجنة، فيعلو صوته، وتتسع عيناه، فيملأ الجو حبوراً وأملاً، وكيف كان يتلو في تضرع وخشوع قول الله تعالى وهو يحاجي الكافرين: "أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ"، فيهتف الجميع "كلا يا رب".

وكان ذلك بالنسبة لي هو المدخل الحقيقي لي بستان تلاوة القرآن الكريم الذي لا ينضب ولا يجف، واكتشفت أنه بستان مثمر مليء بالأزهار التي لا يمكن حصرها في مقال، ولكل زهرة رونقها وعبيرها الخاص المميز، فراقني مصطفى إسماعيل بتلاوة إعجازية من القدس العربية، وخفق قلبي وأنا أستمع إلى الشيخ عبد الباسط عبد الصمد والمنشاوي، وعبد الناصر حرك ومحمد بسيوني، ومحمود الشحات أنور وغيرهم الكثير والكثير.

يقولون إن القارئ الجيد هو الذي يستطيع أن ينقل المستمع من حالة الاستماع إلى التعبد، فبإمكانه أن يرسم لوحات القرآن الكريم ويصورها بنبرات صوته، وإحساسه بمعنى ومقصد الآيات التي يقرأها، فيصير رساماً وواعظاً ومبشراً ونذيراً، فنبكي لبكاء يعقوب على ابنه الصغير يوسف، بعدما ألقاه إخوته في غيابات الجب، ونشعر بمعية الله جل شأنه حينما يخبر الرسول الكريم صاحبه أبا بكر بألا يخاف؛ لأن معية الله تصحبهما.

وكم من أشخاص لا يجيدون اللغة العربية ولا يفهمونها دخلوا الإسلام بعد أن أنصتوا إلى قارئ جيد، جذب قلوبهم، ثم سألوا عن الإسلام وعقيدته، فآمنوا.

أذكر أنه منذ عام أهدى لي صديق تلاوة لأحد أعلام القراء المصريين (الشيخ الشحات محمد أنور)، كان مطلعها "يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ"، أتذكر أنها كانت ليلة عجيبة حقاً، ظللت أضرب بيدي كفاً على كف، هل حقاً ما أسمعه الآن هو صوت بشري؟ أم هو في الحقيقة صوت ملائكي هبط إلينا من السماء؟!

وفي حياتي اليومية ارتبط ذهني في كثير من المواقف بهؤلاء الأعلام الكبار، فكنت أستيقظ كل يوم على صوت الكروان الشيخ محمد رفعت في إذاعة القرآن الكريم في الساعة السادسة صباحاً، وعند كل إفطار في رمضان كان أذانه يملأ الأجواء ترويحاً وعطراً، وكان لصوت الشيخ البنا بالغ الأثر، عندما ذاع صوته من الميكروفون الخاص بالمسجد ونحن نشيع جنازة أحد الشبان صغار السن الذي وافته المنية، وكأنه يربت على قلوب المؤمنين، ويلهم السكينة في قلوبهم بآيات السماء.. عندما أنظر إلى ذلك التراث المصري العريق في تلاوة القرآن الكريم، أجد أنه لا عجب، أو مبالغة كبيرة، عندما يقال: إن القرآن الكريم نزل في مكة وقُرئ في مصر.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.