المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبدالرحمن عياش Headshot

يوميات قارب نجاة "7" | إيطاليا: القلعة الضعيفة عند البحر

تم النشر: تم التحديث:

عندما يهدأ المهاجرون ويبدأون بالاستقرار على متن سفينتنا أكواريوس، تبدو على قسماتهم كل ملامح الإرهاق، بعضهم يلقي بنفسه على سطح السفينة البارد لينام، شاهدت مهاجراً قام بخلع ملابسه كاملة وجلس على الأرض في ذهول قبل أن يساعده أحد أفراد "أطباء بلا حدود"، هذه رحلة طويلة، والفكاك من الموت بعد رؤيته أمر صعب التصور.

لكن هذا الإرهاق والتعب يُستبدلان بابتسامات واسعة وضحكات؛ بل وحتى قهقهات عالية غير مفهومة عند رؤية الأرض الموعودة بعد أن انقطع رجاء المهاجرين في الوصول إليها.

1

جبال إيطاليا، بقممها البيضاء، هي أول ما يظهر لهم، ثم تتضح معالم الأرض شيئاً فشيئاً، لا يحضرني تعبير لما رأيته على هذه الوجوه السمراء إلا قول المصريين "كأنهم اتردت فيهم الروح!". لكن دخول "الجنة" ليس هيّناً، وهذه الأرض التي يرنو الجميع إليها لا تقبل الجميع، فلعل السلطات تصدر قرارات برفض طلبات لجوء أكثر من نصف هؤلاء، لكن لسان حال أحدهم يقول "فليعيدوني إن استطاعوا!"، والحقيقة أنهم يستطيعون إعادة الكثيرين.

على ظهر السفينة، وبمجرد أن يستريح المهاجرون، يبدأ موظفو "أطباء بلا حدود" في تقييم وتقسيم الحالات على القارب، فهناك من تعرضوا لتعذيب بدني أو تم احتجازهم في ليبيا قبيل سفرهم، وهناك من تعرضن لاعتداءات جنسية بدرجات متعددة، وهناك الأطفال والقُصّر، وكذلك هناك المرضى وغيرهم من ذوي الاحتياجات. عندما تصل أكواريوس إلى الميناء المخصص، وفي حالتنا، فقد وصلنا إلى ميناء ميسينا، شمال شرقي جزيرة صقلية، يبدأ موظفو "أطباء بلا حدود" بتحويل الحالات التي تحتاج لحماية عاجلة إلى منظمات بعينها، فمثلاً يتم تحويل الأطفال غير المصحوبين إلى منظمة Save The Children، وضحايا العنف الجنسي إلى مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة UNHCR، وضحايا الاتجار بالبشر إلى المنظمة الدولية للهجرة IOM التابعة للأمم المتحدة كذلك والتي من جانبها تنسق مع الحكومة الإيطالية جهود مكافحة تهريب البشر والاتجار بهم.

2

وفي حالة ما إذا كانت عملية الإنقاذ صعبة أو مر المهاجرون بأوقات صعبة تهدد حياتهم، فقد يكون هناك فريق للدعم النفسي من "أطباء بلا حدود" في انتظار السفينة؛ للتعامل مع الحالات الأكثر ضعفاً.

قبيل الوصول إلى البر، يبدأ موظفو "أطباء بلا حدود" بمخاطبة المهاجرين، وإعطائهم بعض المعلومات القانونية حول وجودهم في إيطاليا، وحول الخطوات المقبلة في رحلتهم بأوروبا، وما عليهم أن يتوقعوه في الأسابيع المقبلة.

أحياناً، يظل المهاجرون ساعات، وربما ليوم أو اثنين في الميناء، حيث يتم تسجيلهم مرة أخرى بواسطة السلطات الإيطالية، ومنظمة Frontex الأوروبية، وهي المنظمة المسؤولة عن مراقبة حدود القارة العجوز.

3

بسرعة، يتم توزيع المهاجرين من الميناء على مراكز استقبال، بعضها حكومية وبعضها خاصة تشرف عليها الحكومة (هذه المراكز الخاصة شهدت بعض حالات الفساد الكبيرة خلال الفترة الماضية، وهو ما ساهم في تعزيز الرقابة الحكومية عليها). كذلك، هناك بعض الحالات التي يتم فيها إعطاء رفض فوري لطلبات الهجرة أو اللجوء في أثناء وجود المهاجرين بالميناء، خاصة للقادمين من دول شمال إفريقيا، من المغرب وتونس ومصر على وجه التحديد.

استطاعت إيطاليا، خلال الفترة السابقة، إبرام اتفاقات مع تونس ومصر تقضي بترحيل جميع المهاجرين القادمين إلى الأراضي الأوروبية من البلدين، لكن اتفاقات دولية أخرى تقضي بعدم ترحيل أي قاصر تجبر إيطاليا على إبقاء المهاجرين أصغر من 18 عاماً على أراضيها، وهو الأمر الذي تسبب، على الجانب الآخر، في مخاطرة آلاف العائلات المصرية بإرسال أبنائهم القُصّر وحدهم إلى إيطاليا؛ على أمل الاستقرار ثم إحضار ذويهم لاحقاً.

4
مصطفى، شاب مصري هاجر إلى إيطاليا عبر البحر قبل أشهر من إتمامه الثامنة عشرة، والآن يعمل بمساعدة الشرطة الإيطالية أثناء عمليات إنزال المهاجرين

في أثناء الفترة الأولى، إذا ما تقدم أحد المهاجرين بطلب للجوء السياسي، يتم تحديد موعد لمقابلة شخصية معه، وإجراء بحث موسع لحالته. وخلال هذه المقابلة، يمكن للمتقدم أن يعرض كل ما يثبت تعرضه لاضطهاد سياسي في بلده، ويتم فحص حالته خلال شهر واحد فقط من تقدمه بالطلب. لكن هذا لا يحدث في الكثير من الأحيان؛ إذ أخبرتني مسؤولة بإحدى منظمات مساعدة المهاجرين في إيطاليا بأن بعض طلبات اللجوء يستغرق النظر فيها عاماً كاملاً، وربما أكثر.

لكن هذا لا يعني أن الإيطاليين غير مهتمين بطلبات اللجوء قدر ما يعني أن طلبات اللجوء المقدمة أكبر كثيراً من قدرة الإيطاليين على الاستقبال، فمن ضمن مئات آلاف المهاجرين الذين يصلون إلى البلاد عبر البحر سنوياً، هناك أكثر من 100 ألف منهم تقدموا بطلبات للجوء السياسي حتى نوفمبر/تشرين الثاني 2016. من بين هؤلاء، تم الرد على 60٪ منهم سواء بالرفض أو القبول، ومن بين من تم الرد عليهم، كان 57٪ قد تلقوا رفضاً لطلبات لجوئهم، في حين حصل 5٪ فقط على صفة اللاجئين، و14٪ على صفة الحماية الثانوية، وهي صفة أخرى للحماية الدولية، وحصل 20٪ منهم على الحماية الإنسانية، وهي الصفة الثالثة التي يمكن الحصول عليها إذا ما تم قبول طلب اللجوء في إيطاليا.

في هذه المرحلة، يتم أخذ بصمات المهاجرين جميعهم، وهو الأمر الذي يرفضه بعضهم بشدة؛ لعلمهم بما يعنيه ذلك. فعندما قابلت المهاجرين الذين تم إنقاذهم على سطح سفينتنا، كنت أسألهم عما إذا كانوا يريدون الحياة في إيطاليا، كانت تتراوح إجاباتهم بين دول أوروبا المختلفة، إلا أن واحداً منهم، يُدعى ويليامز، قدِم من نيجيريا على متن قارب مطاطي مزدحم، أخبرني بواقعية شديدة وبهدوء شديد بأنه ليس عليه أن يحلم بعد الآن، وتابع: "أي مكان سيكون أفضل من المكان الذي جئت منه".

5

لكن الحقيقة أنه لكي يتحرك المهاجرون بشكل قانوني إلى أي دولة أوروبية أخرى، فإن عليهم أن يحصلوا على صفة "لاجئ"، وهي الصفة التي لا يحصل عليها إلا نسبة ضئيلة لا تتجاوز 5٪ كما أشرنا، ولا يخضع بقية من يتم قبول طلبات لجوئهم لبرنامج إعادة التوطين في بقية دول أوروبا، لكنهم يخضعون فقط لاتفاقية دبلن التي تعني أن الدولة الأوروبية الأولى التي يتم فيها أخذ بصمة المهاجر، هي الدولة التي ستستقبله خلال فترة وجوده الأولى في أوروبا.

لكن، هل يعود اللاجئون فعلاً؟
هناك بعض الدول، التي ترتبط باتفاقات ثنائية مع إيطاليا أو دول أوروبية أخرى، والإيطاليون يسعون لتحقيق المزيد من الاتفاقات الثنائية مع الدول مصدّرة اللاجئين، لكن بشكل تقني، ولصعوبة إعادة اللاجئين إلى بلدانهم، فإن ما يحدث في كثير من الحالات، هو إعطاء المهاجر وثيقة بها رفض طلبه للهجرة أو اللجوء، بعد قضائه فترة في مراكز الاستقبال الأوروبية (كانت 18 شهراً في البداية، قبل أن يتم تقليصها إلى 3 أشهر)، ومطالبته بمغادرة أوروبا خلال فترة معينة، مع الشكر!

6

هذه الطريقة تؤدي بالآلاف من المهاجرين إلى البقاء بشكل غير قانوني في إيطاليا، خاصة مع تشديد الرقابة على حدود إيطاليا مع بقية دول أوروبا، وهو ما يحرم الكثير من المهاجرين من فرصة الهروب إلى دول الشمال الأوروبي، لكن على الأقل، تخلصت دائرة الهجرة منهم، ولو مؤقتاً!

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.