المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبدالرحمن عياش Headshot

زمن "الديكتاتور" لن ينتهي قريبا.. قراءة في أحداث جلسة حضرتها مع كيري ولافروف

تم النشر: تم التحديث:

يبدو أن أمام ديكتاتوريِّي المنطقة وقتاً أكثر مما كنا نعتقد ونأمل؛ ليستمروا فيه بممارساتهم، كان هذا ما خرجت به من مشاركتي في مؤتمر "حوارات المتوسط" MED 2016 الذي انعقد في العاصمة الإيطالية روما في الأيام الثلاثة الأولى من شهر ديسمبر/كانون الأول الجاري.

شارك في المؤتمر أكثر من 400 شخص من الساسة ورجال الأعمال والأكاديميين والصحفيين والباحثين، كان من بينهم وزير الخارجية الأميركي جون كيري، ووزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، ووزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون، ووزراء خارجية إيطاليا والعراق والسودان والأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط، ووزراء الدفاع بدول مثل تونس وإيطاليا والبرتغال، ونواب وزراء خارجية كل من تركيا والسعودية وإيران، ورؤساء شركات نفط كُبرى في ليبيا وإيطاليا، وممثلون عن المعارضة السورية، وكثيرون غيرهم.

ayyash

كانت شعارات المؤتمر الأربعة تتمحور حول قضايا الأمن، والرفاهية، والهجرة، والثقافة والمجتمع، وكل تلك القضايا تتقاطع مع المنطقة العربية والثورة السورية بالأساس، إلا أن هناك عدة حوارات وملاحظات تم تناولها في المؤتمر أود أن أشير إليها:


في الطموح الروسي

بالنسبة لنا، العرب وخاصة السوريين الذين شاركوا في المؤتمر، كان الاستماع لحديث سيرغي لافروف بمثابة الاستماع لوصلة بديعة اللغة وظريفة البنيان من التبرير المنمق لقتلنا!

بدأ لافروف حديثه بذمّ الربيع العربي، والحديث عن أن تونس كانت الأكثر حظاً بين الدول العربية، لكن مصر كانت أقل حظاً، في حين دُمرت ليبيا واليمن، و"روسيا لن تسمح بأن يتجه الوضع في سوريا ليصبح مشابهاً لما في ليبيا"، وفوراً انتقل لافروف لموضوعه المفضل، بالحديث عن أن الولايات المتحدة تكرر خطأها في أفغانستان، عندما دعمت المجاهدين أثناء قتالهم السوفييت، لكنهم لاحقاً انقلبوا على واشنطن ليبرز من بينهم تنظيم القاعدة الذي وُلد لقتال الولايات المتحدة بالأخير، ولكن الخطأ هذه المرة يتكرر في سوريا والعراق، فبعد انتقاده لآلية تسريح الجيش العراقي وتفكيكه التي قام بها الحاكم الأميركي في العراق بول بريمر، ذكر لافروف أن المعارضة السورية الآن تحتضن جبهة النصرة التي هي فرع القاعدة في سوريا.

بشكل سلس للغاية، وبألفاظ سهلة، كان لافروف يبرر قتل السوريين في حلب؛ لأن الروس والنظام السوري كان قد طلب من قوات المعارضة السورية أن تفك ارتباطها بجبهة النصرة، وعندما لم يحدث ذلك، طلب نظام الأسد من هذه القوات أن تنسحب من حلب -ببساطة- لكي يكملوا القتال في مكان آخر.

إذاً، بالنسبة للافروف، الحكومة تريد المفاوضات، ولكن المعارضة وحلفاءها الإقليميين يريدون حلاً من جانب واحد، يتنحى فيه الأسد كشرط لبدء المفاوضات، ويتوقف فيه إطلاق النار من جانب النظام وروسيا، وأن يُسمح فيه بإدخال المساعدات، التي قال لافروف إنها مجرد ذريعة لإدخال مئات المقاتلين الجدد، ولذلك فقد خلص إلى أن سقوط المدنيين وما يحدث في حلب هو مسؤولية المعارضة فحسب التي أرادت أن تقاتل بين المدنيين، حتى وإن كانت النيران التي تقتل هؤلاء المدنيين روسية.

ayyash

استمر لافروف في قصّ روايته، بالقول إن روسيا أرسلت مساعدات إنسانية لمناطق شرق حلب، لكنه عاد ليقول إن أولويته القصوى هي عدم السماح لـ"الإرهابيين" بالسيطرة على حلب.

انتقل لافروف بين موضوعات متعددة، تحدث عن تقارب روسيا مع ترامب، "أكدنا للولايات المتحدة أن هزيمة الإرهابيين أسهل من الإطاحة بالأسد"، قال لافروف وتابع بثقة: "هذا ما يقوله ترامب، وإذا اتخذ خطوات جادة في هذا الاتجاه فسنكون مستعدين بشكل كامل للعمل معاً".

وفي مقاربة ذكية، ورداً على سؤال حول أوكرانيا، قال لافروف إن ما حدث في أوكرانيا من انقلاب ورحيل للرئيس، هو تماماً ما حدث في اليمن قبل أن يرحل الرئيس اليمني إلى المملكة العربية السعودية، وتساءل مستخفاً: كيف يختلف هذا عن ذاك؟

لكن السؤال الأخطر، كان ذلك الذي وجهته الصحفية الإيطالية المخضرمة مونيكا موغيوني، بشأن الطموح الروسي، ورؤية روسيا لدورها في العالم، لم يفكر لافروف للحظة قبل أن يقول بصوت ضاحك: "أي دور؟ اقرئي التاريخ وستعلمين إجابة سؤالك".

لم أكن أعتقد أن مستمعي الرجل من الأوروبيين قد قبلوا حديثه، الذي قد يعني فيما يعني تهديداً مبطناً بسيطرة روسيا على دول أوروبية عدة، إلا أن الضحكات التي انتشرت في القاعة والتصفيق الحاد الذي حصلت إجابته عليه كانت تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الوحيد في هذه القاعة الذي يعرف ما يريد جيداً هو سيرغي لافروف.


في اللاشيء الأميركي!

كان جون كيري يتحدث حديث مودّع!
بدا الوزير الأميركيّ العجوز منهكاً في حركته وكلامه، لكنه بدأ حديثه العاطفيّ بكلمات شديدة التفاؤل. فالعالم لا ينهار، بل إنه يتشكل من جديد، وهذه الآلام التي يعيشها العالم الآن هي آلام مخاض لعالم يولد من جديد، وكل القلق الذي يعتري الكوكب هو قلق مبرر، خشية ألا يصبح كل شيء على ما يرام بعد ذلك التشكل الجديد وتلك الولادة.

ورغم أن كيري قال في بداية مداخلته أنه لا يريد الحديث عن "الموضوع الذي يريده الجميع أن يتحدث عنه"، مشيراً إلى انتخاب دونالد ترامب، تناول الرجل كل ما يتعلق بترامب بدون أن يشير إلى اسمه؛ فإنه تحدث عن التغير المناخي الذي قال إنه مستقبل البشر جميعاً، وإن ما تحقق من نجاحات على المستوى الدولي لا يمكن التراجع عنه.

كذلك أكد كيري في صوت مطمئن أن الاتفاق مع إيران مستمر وباقٍ، وبشكل منطقيّ قال إن هناك الآن مشكلات مع الجمهورية الإسلامية في العراق وسوريا واليمن، وتابع: "تصوروا كيف يمكن أن تبدو تلك المشكلات لو كان بحوزة إيران أسلحة نووية".

تحدث كيري بشكل إيجابيّ عن الربيع العربي، وذكر أن التطور التكنولوجي سيكون سبباً لرفاهية العالم وتقدمه، وأن هذه المرحلة هي الأفضل في تاريخ البشر، إذ استطعنا أن نعالج الكثير من الأمراض، وأن نقلص وفيات الأطفال والنساء. كان كيري متفائلاً وهادئاً وهو يخبر الحضور أن هذه ستكون المرة الأخيرة التي يتحدث فيها أمام جمعٍ دوليّ بصفته وزيراً للخارجية.

ayyash

لكن هذا الهدوء وتلك العاطفية وتلك الكلمات غير المفضية إلى أي نتائج ملموسة، كانت كلها نقيض الحوار الذي أجراه لافروف قبل ذلك بقليل، في النهاية، ظهر كيري كما لو كان انعكاساً لكل ما تعاني منه السياسة الأميركية في هذه المرحلة، غير كُفء، معسول الكلام، ومُرضية للجميع، أما لافروف، ظهر بنفس قوة رفيقه بوتين، "بلطجي ظريف" يوصل رسالته بكل وقاحة وبكل وضوح، ولذلك صفق الأوروبيون عندما هددهم في عقر دارهم، ربما كان من بين من صفقوا أحد ممن أدرك مغزاه، لكنهم استمروا في التصفيق لسرعة بديهته وذكائه وفصاحته، ومع حليف للديكتاتوريين مثل لافروف، يبدو أن الديمقراطية في العالم ستكون في خطرٍ حقيقي لفترة قادمة.


في الحدة الإيرانية

لم يختلف نائب وزير الخارجية الإيراني محمد كاظم سجادبور كثيراً عن وزير الخارجية الروسي، يصفه تماماً ما قاله صديقي التركي الذي شارك في حضور المؤتمر "يدهشك كيف يمكن للمسؤولين الروس والإيرانيين أن يكذبوا لساعات متواصلة بينما هم ينظرون إليك في عينيك".

كان المسؤول الإيراني ينفي طوال الوقت، فقد نفى أن إيران تعزز التوترات في المنطقة، ونفى وجود أي ميليشيات شيعية في العراق، مؤكداً أن القوات المقاتلة هي جزء مما يسمح به الدستور العراق، ونفى الحديث عن السعي لإنشاء إمبراطورية صفوية، ونفى التصريحات التي تحدثت عن سيطرة إيران على أربع عواصم عربية، لكنه في النهاية اعترف بتعقيد العلاقات مع السعودية، وعاد لينفي سعي طهران للتصعيد مع الرياض.

ayyash

حلفاء بشار الأسد فخورون بدعمه، هذا ما ظهر جلياً في حديث سجادبور، فقد قال إن روسيا تدعم الأسد؛ لأنها تدرك أن الغرب يسعى لإسقاط سوريا، ثم سيسعى لإسقاط إيران، ولينتهي بروسيا التي قال قبيل نهاية حديثه إن إيران تحارب في سوريا المجموعات الإرهابية السُّنية. "إن غالبية السُّنة مسالمون، لكن المشكلة هي في الجماعات السلفية والتكفيرية في سوريا التي أسستها وتدعمها عائلات سعودية" كما قال سجّادبور.


في الرِّقة السعودية


تحدث نائب وزير الخارجية السعودي خالد الجندان في كلمته عن أن إيران تسعى للهيمنة على المنطقة، وقال إنه على العالم ألا يكيل بمكيالين عند التعامل مع الإرهابيين سواء من داعش، أو من حزب الله. وبدبلوماسية قال الجندان إن العوامل السياسية والتاريخية والدينية في منطقتنا كفيلة بأن تكون أسباباً لحل جميع الأزمات، يبدو حديثه منطقياً وواضحاً، إلا أنني عندما سألته لم يكن كذلك.

فقد سألت الجندان عقب انتهاء محاضرته عن دور النفط السعودي في دعم القضايا التي تهتم بها السعودية، وسألته تحديداً عن السعودية ودورها في مصر، وإلى متى ستعتبر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي حليفاً في الوقت الذي يضرب الرجل بالأولويات السعودية عرض الحائط.

بٍرِقة ودبلوماسية أجاب الجندان عن سؤالي بأن السعودية لن تستخدم نفطها أبداً كوسيلة لتحقيق أهدافها في المنطقة، وبالتأكيد لن تضغط على أي دولة شقيقة كمصر بهذا الشكل. وأكمل الجندان متجاهلاً القرار السعودي بإيقاف توريد النفط السعودي لمصر عقب تصويت القاهرة لصالح القرار الروسي بشأن سوريا في مجلس الأمن إلى أنه يعتبر مصر حليفاً استراتيجياً لا غنى عنه، وهذا أيضاً بعد أيام قليلة من تصريح السيسي بأنه يدعم جيش النظام السوري في محاربة الإرهاب، قاصداً مجموعات المعارضة التي تدعمها السعودية.

ayyash

لم يكن الرد السعودي هو الوحيد المتساهل مع الديكتاتور المصري، فقد أخبرني المدير التنفيذي لشركة النفط والغاز الإيطالية eni، عن أنهم فخورون بعملهم في مصر، بعد أن سألته عن موقفه ودور شركته التي يبلغ حجم استثماراتها في مصر أكثر من 5 مليارات دولار في دعم النظام المصري بعد قتل قوات الأمن المصرية الطالب الإيطالي جوليو ريجيني بعد اختطافه في ذكرى ثورة 25 يناير/كانون الثاني قبل أقل من عام. وتابع كلوديو ديسكالزي أن العمل الدبلوماسي والعلاقات الثنائية مسؤولية الحكومة الإيطالية القادرة على أداء مثل هذه المهمة، ولم ينسَ ديسكالزي في بداية حديثه أن يؤكد أن مقتل ريجيني كان حدثاً مس جميع الإيطاليين.

لم يكن صعباً أن ندرك أن الرد الدبلوماسي للجندان ولديسكالزي لا يتعدى الاستهلاك الإعلامي، لكن المثير في الأمر أنه في الوقت الذي تحدث فيه المسؤولون الروس والإيرانيون عن دعمهم المباشر والواضح والقوي لحليفهم الأسد، كان المتحدثون عن دعم الثورات وقيم العدل والديمقراطية أقل وضوحاً وأكثر خجلاً في حديثهم.
إن حليفاً خجولاً وعدواً وقحاً كفيلان بأن يحكم الديكتاتور لألف عام أخرى.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.