المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد الجبار عماري Headshot

المراهقات الفكرية في محاولة تغيير الواقع

تم النشر: تم التحديث:

المراهقة الفكرية غير المراهقة العمرية؛ الأولى لا تقتصر على الفرد لوحده؛ بل قد تشمل المجتمعات والأمم أيضاً، أما الثانية فهي شأن شخصي، وإن كانت ظاهرة إنسانية، أي أنّها تقتصر على مرحلة عمرية ما بين مرحلة الطفولة إلى مرحلة الشباب، وهي ليست موضوعنا، إنما سنركز على المراهقة الفكرية، فما هو تعريف المراهقة الفكريّة؟ وما مميزاتها؟ وما تأثيراتها في الحياة؟

المراهقة الفكرية ظاهرة إنسانية اجتماعية، ترتبط بالأفراد والأمم، فكما أن الإنسان يعيش مراهقة عمرية زمنية فهو يعيش مراهقة فكرية، لكن قد تختلف عن المراهقة العمرية من حيث إنها لا ترتبط بمرحلة زمنيّة معينّة؛ بل قد يعيشها شخص في مقتبل عمره وآخر في الثلاثينيات من العمر، وآخر في الأربعينيات وهكذا؛ لكن على الأرجح أنها تظهر في مرحلة الشباب، وهي مرحلة انتقالية تتميز بالبحث والاكتشاف والخروج عن المألوف بحيث يكتشف صاحبها أن وضعه السائد أصبح لا يتماشى مع مستجدات الحياة ومتطلباتها الجديدة والمختلفة، فيبدأ في البحث عن التغيير والخروج من المعهود والسائد؛ ليصل إلى وضع جديد ومختلف عن سابق عهده يمكِّنه من الاستمرار والبقاء ضمن هذا الوجود الفسيح الذي لا يقبل الجمود، أما المراهقة الفكرية الخاصة بالأمم فهي المرحلة التي تشهد فيها حالة انتقال من الركود الفكري متجهة نحو النضج؛ بمعنى هي مرحلة انتقالية يتم من خلالها محاولة التخلص من عبء التخلّف والجهل، والبحث عن سبل النجاة، فتبزغ في الأفق حركات وتيارات فكرية جديدة تتبناها هذه الأمم وتُثَمِّنُهَا.

بما أن المراهقة الفكرية مرحلة انتقالية، كما ذكرت، هذا يعني أنها قد تشهد فترات اضطراب وتخبط ربما، حتى نفهم الموضوع أكثر لننزل لأرض الواقع ونهتم بالمراهقة الفكرية لدى الفرد، وسنحاول أن نعيش الحالة بتمثيلية حتى يسهل علينا الفهم، وهذا على سبيل المثال وليس الحصر.

شاب في بداية العشرينيات من عمره سئم من الحالة الفكرية والثقافية الموجودة في واقعه التي يعيش ضمن نطاقها الاجتماعي، فهي مفروضة عليه وتقيِّد حرّيته، يترقب ويتابع حيثيات واقعه فيلاحظ تخلفاً، جهلاً، كراهية، تطرّفاً، عنصرية غوغاء، تصارعاً وتطاحناً، مستوى تعليمياً وثقافياً وفكرياً منحطاً، عقولاً فارغة ومنغلقة، وأساليب بدائية في التعامل مع الظروف وبين أفراد المجتمع الواحد، كل هذه الأمور وغيرها تشكل عنده نظرة سوداوية مظلمة للحياة، فلا ملجأ أمامه سوى البحث عن حل؛ ليتخلص من هذه الظواهر التي تحيط به وتخنق عيشه، فيتجه نحو قراءة العديد من الكتب والدوريات والنشرات الفكرية والثقافية للبحث فيها وتمحيصها، وهنا المفارقة العظمى فمن هؤلاء المراهقين فكرياً من يتجه نحو تيارت وحركات فكرية تنويرية علمانية أو حتى إلحادية معادية للأديان أو كل ما فيه إصلاح ديني، ومنهم من يميل إلى الحركات الدينية للبحث فيها عن مسلك النجاة، وربما قد نجد طرفاً ثالثاً وسطياً يتميز بطابع ديني تنويري، لكن مقارنة مع الطرفين السابقين فهو حديث كما أنه نادر؛ لأنه مسخوط عليه من الطرفين رغم اعتداله والمقام لا يتسع للغوص فيه أكثر.

الأكيد أن المراهق الفكري هذا أثناء البحث ينجذب أكثر للتيار الذي تأثر به، ويتشدّد أكثر في آرائه التي تسرَّع طبعاً في طرحها، فهو لا يبحث ويتحرى بميزان العقل والمنطق والتروِّي، إنّما همه الوحيد أن يغيِّر من وضعه الفكري والثقافي، وينقلب على السلطة السائدة، وهذا ما يدفع بالكثير منهم للاصطدام المباشر والعنيف أحياناً مع الشرائح الاجتماعية الأخرى؛ فالذين يتبنون التيار الديني يصبح المجتمع في نظرهم يعيش في انحلال وتميُّع غارق في الفساد، فتجدهم يشتدون على الناس في نصحهم بغلظةٍ وفظاظة، وقد لا يكون هذا عيباً في التيار الذي ينتمون إليه، إنّما العيب في أسلوبهم ومنهجهم في التعاطي مع المسائل والظواهر المتراكمة، وذلك نتيجة للحالة النفسية والفكرية التي يعيشونها، والتي يغلب عليها الانفعال، أمّا الذين يتبنون التيار أو الحركة التنويرية فينظرون للمجتمع على أنّه لا يزال يعيش في رجعية وتخلف، منغلقاً على عاداته وتقاليده ومتمسكاً بالمعالم الدينية التي تمنعه من التحرّر الفكري، إذ إنهم يرون في التَّديُّن تخلفاً وسلطة قهرية للإبداع والنهضة والتحضُّر، فالعلمانية التي تصل لدرجة الإلحاد أحياناً هي غايتهم لقلب موازين القوى، أمّا التنويريون المتدينون فهم الثائرون على الانغلاق والتشدد الديني، فيتميزون بنقدهم لكتب التراث وطرح شروح جديدة لبعض المسائل الدينية، كما أنهم يجابهون الانحلال الفكري والثقافي الذي يدعو للتخلي عن كل ما هو ديني أو ما يرتبط بالدين.

رغم أن مرحلة المراهقة الفكرية تبدو معقدّة ومضطربة بعض الشيء، فإنها ضرورية، فهي بداية النضج والتغيير، ويمكن أن نصفها بالمخاض الذي ينتج عنه مولود جديد بعد مرحلة عسيرة.

أما المراهقة الفكرية في حياة الشعوب والأمم فهي ضرورة حضارية تدفع بعجلة النهضة والتغيير من أجل واقع أفضل وأرقى تعيش فيه الأمة انتعاشاً حضارياً، وتتميز مرحلة المراهقة الفكرية لدى الأمة أو الدولة بحراك شعبي ونخبوي يطالب بتحسين واقعه المعيشي، فلا يمكن أن يتغير وضعها، وهي لا تحرك ساكناً، ولعلَّ أقرب ما يمكننا أن نشبهه بالمراهقة الفكرية في حياة الشعوب هي الثورة الفكرية التنويرية التي تزعَّمها "مارتن لوثر" في أوروبا وكذلك الثورة الفرنسية، وكلاهما كان ضد نظام الكنيسة الإقطاعي المستبد وبعدها عاشت أوروبا مرحلة انتعاش حضارية انعكست في الثورة الصناعية وما تلاها من انجازات حضارية أخرى.

ما يمكن أن نخلص إليه أن مرحلة المراهقة الفكرية رغم أنها ضرورية في حياة الفرد، فإنها خطيرة أيضاً، فقد تنعكس سلباً على حياته في المراحل التي تَليها، ويعيش اضطراباً مستمرا، وربَّما قد لا يتخلص من هذه المراهقة وتتحوَّل مع مرور الوقت إلى آفة؛ لذلك وجب التحكّم فيها من طرف الأولياء بمراقبة أبنائهم باستمرار، والحرص على توجيههم، والأكثر من ذلك توفير لهم غطاء ثقافي وفكري صحي مستنير، يتماشى مع متطلبات العصر، ويحافظ على سلامتهم الصحية والعقلية، وهذا كله يندرج ضمن تربية النشء تربية صالحة، والأكيد أنه إذا كانت المراهقة الفكرية ناجعة لدى الأفراد فستنعكس على المراهقة الفكرية المتعلقة بالشعوب، فنجاح هذه الأخيرة مرتبط بنجاح الأولى.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.