المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد الوهاب شعبان Headshot

"الستر" الذي يُنزع عن بيوت المصريين

تم النشر: تم التحديث:

هذا الشعب الذي لم يجد من يحنو عليه، يصمت، أو ينفجر، لأوسط بين الخيارين.

"1"
دخل الرجل الخمسيني المتجر الشهير بوسط القاهرة، ملابسه الخضراء، ملامحه المجهدة، يدلان على مهنته، وأنفاسه المتسارعة تلخص "حاجته الملحة"، حيث اقتراب موعد الإفطار في نهار رمضاني صيفي طويل، سأل بلهفة المضطر: فين مكان الرز اللي عليه العرض يا أستاذ؟، استطرد قبل الإجابة: "عايز آخد كيلو للعيال؟".. ردت إحدى عاملات المكان: هناك يا حاج.

هدأ، وانقبضت، كسا وجهه ارتياحاً، كالذي تلقفته السماء من كارثة محققة، ما الذي أحنى ظهر رجل كهذا حتى تتقزم أمنيته في حيازة "كيلو أرز" خفض ثمنه جنيهاً؟، ماذا لو أخبرته العاملة أن المعروض نفد، بفعل أثرياء المنطقة الذين اكتظت سيارتهم بكل مدعّم ممكن؟..

غادر الرجل قابضاً على حاجته، وبقيت المفارقة بين لهفته وقناعته، ملمحاً يلخص كل معاني الستر، الستر الذين يريدون نزعه عن بيوت المصريين.
"2"

" - لا يستطيع الشعب الجائع أن يستمع إلى العقل، أو يكترث للعدل، أو يتعلق بالمبادئ"، الفيلسوف اليوناني سنيكا .
قبل 3 سنوات، توقف نبض الشارع الاحتجاجي، بعد استئصال الشريان الثوري التاجي، وأغلق ممر الدماء التي كانت من قبل تجري على هيئة مطالب شعبية بميدان التحرير، تاركةً فسحةً في الجسد السياسي، والاجتماعي، لبراح التنفس، هذا النبض الذي كلما برزت دقاته، وأحدثت قلقاً استثنائياً لدى السلطة؛ لمراجعة أمرها، نعق الإعلاميون بأن ثمة تأثيراً سلبياً على "عجلة الإنتاج"، وصب المواطنون البسطاء لعناتهم على الأصوات الهادرة "عيش.. حرية.. عدالة اجتماعية"، هذا التوقف الذي استبشر به المتفائلون بالاستقرار، تسبب في تجلط "سياسي - اقتصادي"، أثر على مفاصل الحكم، ودخول المحكومين، وبدا الأمر الآن على محك تصريحات تبشر كل يوم بـ"قرارات مؤلمة"، مؤلمة بالطبع للبسطاء فقط.

يسأل المواطنون الآن: ما الذي تسبب في قفزة الأسعار على هذا النحو، بالتوازي مع ثبات الرواتب، وزيادة فواتير الكهرباء، والمياه، ورفع تعريفة المواصلات العامة؟.. فتأتي إجابات بلهاء من حكومة لم تعبأ بمواطنيها، ونواب قفزوا بالرشى الانتخابية، على نحو يصف "الدعم" -دعم السلع الأساسية- بأنه سبب الخراب.

قد يصبر المصريون على القهر، لكنهم لم يضبطوا -تاريخياً- متلبسين بالصبر على نزع الستر.

"3"

على بُعد عدة أمتار من المتجر الكبير، ينتظر النسوة اللاتي يمددن أيديهن، أمام سيارات العائدين من رحلة الشراء القصيرة، يوزعن أعواد النعناع مصحوبة بابتسامة منكسرة، قالت إحداهن: "مش عايزة فلوس، عايزة إزازة مانجا، أفطر بيها أنا والعيال"، بدا الطلب غريباً، ذهبت معها إلى محل العصير، هناك تأسفت السيدة، وقالت: "مستورة يا أستاذ، بس انت عارف الظروف، والعيال بتفرح بالفاكهة"، وقتها لم تكن زيادات الفواتير قد أعلنت بعد، فبأي شيء يمكن للسيدة ذاتها أن تسد حاجتها؟.


يقول ابن المقفع في كتابه "تاريخ البطاركة": "إن النهر جف في عهد عبدالله بن عبدالملك بن مروان، نفقت الماشية، وتعرضت البلاد لموجة غلاء غير مسبوقة، حيث أفرط الحاكم الذي جاء على غير إرادة المصريين، في استخدام الضرائب، فانفجر الشعب، وحاصروا قصره بحلوان، هرب إلى أخيه عبدالعزيز بن عبدالملك بما لديه من أموال، خلال هروبه قُطع الطريق عليه، نهبت الأموال، وأمضى عمره سجيناً بعد محاكمته".

"المصريون أيضاً وصفوا الحاكم الأموي بأنه "نذير شؤم" .
"4"
التاريخ، في بلادنا، لا يُقرأ، ولا يَرحم.

في أوائل أكتوبر/تشرين الأول من عام 1789، زحفت الجماهير الفرنسية الجائعة، باتجاه القصر الملكي؛ حيث مقر إقامة الملكة "ماري أنطوانيت"، ذات العقلية البليدة في إدارة شؤون المملكة، التي بددت ميزانية البلاد في حفلات فاخرة، وصرف لم ينقطع على محاسيب السلطة، دون اكتراث بحاجة الشعب، وأطلقت بعد فاصل من السفه السلطوي عبارتها: "الشعب لا يجب أن يجوع مجاناً"، لم تدرك الملكة المنشغلة بمرآة تخبرها طوال الوقت بأنها أفضل حاكمة على ظهر الأرض، بأن الجوع كرة لهب تتدحرج على بساط القصر، وأن رغيف الخبز أهم بكثير من عبارات بلهاء تتردد يومياً في الصحف، واستوديوهات التغييب اليومية.

بعد 3 سنوات بشّرت موجاتها الثورية بحتمية الرحيل، أقنعت الملكة الحسناء زوجها "لويس السادس عشر" بالفرار من باريس، تحديداً في 20 يونيو/حزيران 1791، خرجت العائلة الملكية متنكرة في عربة متجهة للحدود الشرقية لفرنسا، تعرف أحد الثوار على الملك من صورته المطبوعة على العملة الورقية، فأوقفهما، وأُعيدَا تحت الحراسة إلى باريس، وبعد عام خلال حرب بين النمسا وبروسيا، اتهمت "ماري" بإفشاء أسرار عسكرية، وسيقت مع أسرتها تحت وطأة غضب شعبي إلى "سجن المعبد"، وأعدمت الأسرة الملكية في عام 1793.
"الجائع لا يعرف الحكمة" الفيلسوف الصّيني منسيوس.

"5"

مساء الثلاثاء 9 أغسطس/آب، أجرت السيدة إيمان اتصالاً هاتفياً على فضائية دريم، رمت أمرها للبكاء وقالت: "حرام اللي بيحصل فينا ده، حرام عليكم حسوا بينا شوية".

شكت السيدة "إيمان" من أسعار الدواء، وهي العائل الوحيد لأم مريضة، يتكلف علاجها شهرياً 1700 جنيه، بينما لا يتجاوز دخلها 1800 جنيه، في روايتها لم تطلب السيدة مساعدة مادية، ولخصت أمنيتها في أن تدخل صيدلية لدفع مرتبها، دون أن يخبرها الصيدلي أن الدواء قد ارتفع سعره.

قالت إيمان، ولا يزال مقدم البرنامج على هيئة صنم: "عايزين نعيش".

"6"

ينزع منافقو السلطة عن الوطن وقاره، وعن المواطن استقراره..
بعد زيارة رئيس الوزراء الماليزي السابق مهاتير محمد للقاهرة، 18 مايو/أيار 2013، تصدر رفض صندوق النقد الدولي مانشيتات الصحف، أشارت التفاصيل وقتئذ إلى احتفاء بالتجربة الماليزية القائمة على إذابة الخلافات السياسية، وحسن استغلال الموارد، إلى جانب العناية بالبنية التحتية، وإقرار إعفاءات من الضرائب طويلة المدى لجذب الاستثمار.

احتفت المواقع الإخبارية أيضاً بأغنية ساخرة من القرض الدولي لـ"ياسر المناوهلي"، تحت مسمى "صندوق النقد"، بعد سنوات ثلاث، بدا قرض صندوق النقد الدولي ضرورة وطنية، حيث تحولت في بضع سنين إجراءات ما بعد القرض، من خفض للدعم، وارتفاع للأسعار، إلى جانب غياب الخطة الاقتصادية الواضحة -بحسب خبراء اقتصاديين- مخرجاً لا بديل عنه لتمويل عجز الموازنة.

يقول الخبير الاقتصادي د.خالد عبدالفتاح: "إن صندوق النقد لم يدخل دولة إلا دمرها، ولم يثبت أنه ساعد على تحسن الأحوال الاقتصادية لأية دولة".

يقول الشاعر محمد الجواهري:

نامي جياعَ الشَّعْبِ نامي ** حَرَسَتْكِ آلِهةُ الطَّعامِ
نامي فإنْ لم تشبَعِي ** مِنْ يَقْظةٍ، فمِنَ المنامِ
نامي على زُبَدِ الوعود ** يُدَافُ في عَسَلِ الكلامِ

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.