المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد الرحمن عادل Headshot

الكفر المقدس

تم النشر: تم التحديث:

قبل عام 1979 لم يكن يعرف التاريخ عن الثورة إلا أنماطًا محددة يجملها البعض في ثلاثة نماذج : النموذج الفرنسي و الاشتراكي، الشيوعي في روسيا، وكذلك النموذج البريطاني، وإن كانت هذه الثلاثية ترتكز على نفس الأطر المرجعية العلمانية إلا إن اختلافها في الأيديولجيا جعلها تصنف على أنها نماذج ثلاثة.

ولكن في العام 1979 سيغير التاريخ قبلته قليلًا إلى العالم الإسلامي -إيران- أو بمعنى أدق سينحرف معنى الثورة وإمكانيتها عن العالم الأوربي ليفسح المجال للقادم الجديد، "إمكانية ثورة إسلامية".

علي أي أساس إذن تقسم التغيرات الكبرى بين "نموذج للثورة" واستلهامها لنموذج ثوري، يتلخص الفارق بينهما في أن هذه الأخيرة هي فعل احتجاجي واسع لا يتطلب اشتغالًا معرفيًّا للإجابة على الأسئلة التي تتحدى الحركة، بينما الثورة/ النموذج بما هي "انقلاب" في الإطار القيمي المؤسس لتنظيم المجتمع (1)، فإن وجودها مشروط بجهد معرفي مندمج في الحركة الثورية ومؤطر لها، وبطبيعة الحال فإن هكذا "انقلاب" يستلزم نقدًا للسائد/ القائم، و تنظيرا للبديل/ الثورة، ربما يمكن هنا بقدر المستطاع الإشارة إلى نصيب المعرفة في هذا الانقلاب الذي شهدته إيران بالتركيز على بعض القضايا التي أثيرت داخل الحركة الثورية.

قد يكون من أهم ما أثير في هذه الفترة: موقف الثوريون من نزعة "نصرنة" الإسلام؛ أي جعله موقوفًا على عالم الذات لا يتعادها للفعل والتغيير في حركة التاريخ، وجعل هذا التصور بوابة التعريف بــ"المسلم الصالح/ المطيع"، من بين من انشغلوا بهذا كان شريعتي ومُطهري، فهذا التصور للإسلام عرفه شريعتي بـ"دين الشرك" بحيث يكون هذا الدين صاحب الدور الأبرز في شرعنه الفقر و الظلم والاستعمار بوصفهم مجرد "مشيئة إلهية" لا يجب معارضتها، فهو بتعبير آخر "دين الملأ" ذاك الذي تفضله الطبقة الحاكمة في مقابل الدين الثوري/ التوحيد؛ الذي هو حركة تاريخية لمواجهة ظلم اجتماعي، فهو بموجب تعريفه هذا يتفادى تبرير الوضع القائم لصالح وضع مثالي يتحقق فيه الهدف من الحياة، ألا وهو التحرر من الطاغوت (2).

مُطهري هو الآخر انشغل -من بين ما انشغل به- بتحرير هذه القضية/ نصرنة الإسلام ، إذ ينظر إلى التوحيد ليس باعتباره فعلًا روحيًّا فرديًّا، بل يعرف التوحيد ضمن ما يسميه الفاعلية النفسية والاجتماعية، إذ اهتم مُطهري بحال نسق التوحيد وما أصابه جراء تحوله إلى محض رطانة لغوية بعيدة عن الفاعلية النفسية، فضلًا عن كون هذه الرطانة قد عجزت عن مواجهة تحديات الواقع، فلم يكن لها فاعلية اجتماعية في الفضاء العام، هكذا رأى مُطهري هذه الفاعليات باعتبارها أشبه ببناء تحتي/ الفاعلية النفسية، وبناء فوقي/ الفاعلية الاجتماعية، ومن دون الأولى -الإيمان/ النفس- لا تخرج الثانية -الثورة/ الفاعلية الاجتماعية- إلى الوجود، "فالله في التصور و الفكر/ النفس: هو مقدمة لله في الحياة/ الثورة "..(3)

محمد باقر الصدر لم يكن هو الآخر بعيدًا عن هذا الانقلاب، وقد اهتم بجوهره، ألا وهو الرؤية المعرفية/ الإبستمولوجية المغايرة للنماذج الثورية الأخرى، صحيح أنه ليس الوحيد في ذلك، فقد كانت هذه المسألة هي الشاغل الرئيس لهم جميعًا، لكنه أراد أن يقدمها من داخل الفقه، ولكن ليس الفقه التقليدي/ التجزيئي، فما أراده الصدر هو الانتقال من فقه "الأحكام" إلى فقه "النظريات"، "إذ كان الصدر يعتبر الأحكام بناءً علويًّا يجب تجاوزه إلى ما هو أعمق و أشمل، وتخطيه إلى الأسس التي يقوم عليها هذا البناء العلوي وينسجم معها". (4).

فما أراده الصدر لم يكن فقيهًا يقف عن حد اللغة، ويتفاعل فقط مع نموذج الفتوى الفردية أو ما يسميه "التفسير التجزيئي" الذي لا يحمل إمكانية الفاعلية الاجتماعية، بل يتحرى قتلها، إذ يدور هكذا تفسير في فلك استخراج حكم لحالة ولا يتعدي ذلك استكشاف النظرية العامة التي تحكم ما دونها من الحالات، ما أراده هو فقه علم السياسية وكذا الاقتصاد والاجتماع، أي إن علي الفقيه إلى جانب كونه فقيهًا أن يكون كذلك مُنظرًا سياسيًّا أو باحثًا اقتصاديًّا،بمعنى حتمية تناول العلوم الإنسانية والتمكن منها حتى يصير الفرد فقيهًا يمكنه بناء نظرية وليس استخراج حكم فقط، بل إن الثانية لا تتم بدون الأولى أو هكذا يفترض أن تكون. وعدّ الصدر هذا "هو الطريق الوحيد للحصول علي النظريات الأساسية للإسلام تجاه موضوعات الحياة المختلفة "(5).

الموقف من التكنولوجيا والتقنية كان حاضرًا أيضًا، عند مفكر إيراني آخر؛ إذ نظر إليها بعين النقد والحذر، أقصد جلال آل أحمد المتحول من الماركسية، فلم يتعامل معها باعتبارها أداة محايدة فقط تؤدي وظيفة، وإنما تحمل داخلها ثقافة تكون هي المحددة لطبيعتها، بمعني كونها عامل هيمنة، فمن خلالها قسمت الإمبريالية العالم وأحكمت السيطرة عليه.

* كما إنها -أي التقنية- تلعب دورًا مهمًّا بأيديولوجيتها إلى تضخيم الجانب المادي وقيمه على غيرها من القيم، وقد قدم أحمد نقدًا "للمستنيرين" باعتبارهم الناقلين لهذه الإمبريالية والداعمين لها (6)، سيد حسين نصر هو الآخر كان قريبا من هذا بنقده للـنزعة"العلومية" بمعنى استخدام العلم الطبيعي كإطار مفسر لكل شيء و التوسع في ذلك، إذ رأى هذه النزعة وليدة التأثر بالوجة التكنولوجي التقني للغرب، وقد اهتم بنقد هذه النزعة لأن البعض أخذ يحاول "أسلمتها" و اعتبر نصر هذه المحاولة خللًا في تصور من هو النظام الأصلي/ الإسلام في مقابل الآخر الغربي (7).

الآن وبغض النظر عن ما يمكن أن يقدم من نقد لهذه الحالة المعرفية التي سبقت الثورة الإيرانية؛ فإن ما يبقى واضحًا جليًّا هو أن الانقلاب الثوري قد جرى الإعداد له، ولذلك فإن الثورة الإسلامية "نموذج ثورة" وليست مجرد فعل احتجاج واسع.

هل نحتاج نحن إذن نموذج ثورة أو فعل احتجاج؟، ربما يمكننا القول بشيء من الحذر: إن ما نعانيه مع ما فيه من خصوصية إلا إنه في المساحة الأكبر منه جزء من "نظام معاناة" عالمي، بمعنى أن ما يشهده "معذَّبو الأرض" ليس مجرد فساد حكومات، وإنما هو قبل أي شيء نظام معرفة وأيديولوجيا، هو شر يجب احترام ذكائه الذي أنتج هذه المعرفة التي تبدو إلى الآن عصية على الكسر. إن ما لا يمكننا فعله هو التخلص من هذا النظام من خلاله نفسه! فلن نقضي على الفقر مثلًا بنظريات التنمية الاقتصادية إستعمارية المنشأ والغاية!، ما قد نكون بحاجة إليه هو "أيديولوجيا الثورة" ولن تخرج هذه الأيدولوجيا إلى النور إلا بالكفر أولًا، الكفر بنظام المعرفة القائم "فعلى كل مؤمن أن يكون كافرًا أيضًا، فما دام في موضع الحق لا بد أن يكون من موقعه هذا ضد الباطل، وهذا هو الكفر المقدس".

الإحالات :
(1) استخدم مُطهري هذا المعني للثورة في حوار له أُجري بعد أيام قليلة من اندلاع الثورة.
http://alwelayah.net/?p=23904.
(2) علي شريعتي، دين ضد الدين، ص 41.
(3) مرتضى مطهري، الله في حياة الإنسان، ص 23.
(4) صائب عبدالحميد، الشهيد الصدر: من فقه الأحكام إلى فقه النظريات ص 196، وكذلك محمد باقر الصدر، اقتصادنا، ص 396.
(5) محمد باقر الصدر، المدرسة القرآنية، ص 35.
(6) جلال آل أحمد، المستنيرون خدمة وخيانة، انظر مقدمة المترجم والمؤلف.
(7) د.خنجر حميد الشيخ مرتضى مُطهري: الإشكالية الإصلاحية وتجديد الفكر الإسلامي، ص 70.