المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد الرحمن الجندي Headshot

أوليس حريًا بالحقِ أن ينتصر

تم النشر: تم التحديث:

2016-03-26-1458951705-137816-Nosign.png

-1-

** ضيفٌ ثقيلٌ حلَّ على البلاد، غريمٌ قديمٌ يبغضه الدانِي والقاصي.. صارَ جليًّا أن المعركةَ باتت لازمةً لطمر تلك الدويلة قبل أن تنبثق من مهدها وتهدد عروشَ ملوك وسلاطين العرب.

تدافعت قواتُ الجيشِ المنتصر تجتث الرؤوس وتقتلع فلول أولاءِ المنهزمين، جموعٌ شتىً من كلِّ حدب وصوب تجمعت لتحدوها الهزيمة وتُرَدُّ من حيث جاءت مغررةً بها .. جيشٌ جرارٌ تناغمت حركاته لتطيحَ بقلةٍ منظمة ذات عقيدة وهدف، لتقف فيما بعد أمامَ شعوبها تختلقُ الأعذارَ مخلفةً وراءها عار الهزيمة، وتتوعد بالرد متى سنحت لها الفرصة، ثم وعلى الجانبِ الآخر تشكلت ملامحُ تلك الدويلة التي كان لها بالغُ الأثرِ في السنين التي تلت تلك النكبة.

- فلسطين يوليو 1948م
** مائتا عامٍ من العراكِ المستمر، مدينةٌ هي آخر ما تبقى من حضارةٍ تتوسط مملكتين برز مجدهما حديثًا في أوروبا.. لم يدم الشتاتُ بين المملكتين المتناحرتين كثيرًا، انتهى إلى تآلفهما لأجل دحرِ شوكة تلك المدينة التي تطل على نهري "حدرة" و"سنجل"، فأُرسِلت الرسائل إلى الملك تدعوه إلى الاستسلام المشروط في معاهدةٍ أُطلقَ عليها "مرسوم الحمراء".
تبقت خطواتٌ وتذلل المدينةُ بأكملها للفتح الجديد، غيرَ أن جماعةً من المتمردين يسكنون ضواحي المدينة يحرضون أهلها على المضيِّ قدمًا في الدفاع عنها، تبقت ثغورٌ قليلة لزم سدها حتى يكتمل الفتح وتُستردُ الأرض المغصوبةُ لأهلها.. جمٌ كبير من أهلِ المدينةِ تملَّكهم الرعبُ فآثروا ترك النزاعِ بين الفريقين وهاجروا بمن فيهم أميرُ البلادِ الذي أجبرته جحافلُ أعدائه على الاستسلام، غيرَ أن ذا المتمرد الأحمر لا يزالُ يجمع الخلقَ حوله ويزعم أن في الجهادِ نصرًا له ولأمته، بيد أنه صارَ وحيدًا في ميدان الحربِ فتلاعبَ به 15 جنديًّا حتى قتلوه، أو قيل أسروه.. وظلت عبقرية الجيشِ الفاتح حائلًا بين أن يكتبَ التاريخ الانتصار للمسلمين في آخر رقعةٍ من رقاعِ الأندلس.

- غرناطة 1492م
** ساقته قدمه إلى أمه بنت السبعِ والتسعين، وكأنه يعلمُ أن عمرهُ شارف على الانتهاء فقال "خذلني أهلي ولم يبقَ معي إلا من ليس عنده من الدفع أكثر من ساعة"، ولكن بنت الصديقِ شدت أزر ابنها فأجابته "إني لأرجو الله أن يكون عزائي فيك حسناً إنْ سبَقْتَني إلى الله أو سَبقْتُك" ثم بادلته عناقَ الوداعِ وانطلق..
فخرج من عندها وهو يقول:
"الموت أكرم من إعطاء منقصة من لم يمت غبطة فالغاية الهرم"

ساعاتٌ انقضت في قتالٍ مرير سبقته شهورُ حصارٍ فُرِضَ على مكة وجيش ابن الزبير، شحَّ فيها الطعام والماء عن الناس، وأُجبروا على التخلي عن الجيش المدافعِ عن عبدالله ابن الزبير، ثم انتهت المعركة وقُتل -رحمه الله- وسيقت رأسه إلى عبدالملك وبقي جسده مصلوبًا في شعبٍ من شعابِ مكة حتى أمر الحجاج بدفنه (مكة 73هـ).

-2-
ضمن منطق من قالوا إن الغلبةَ الأخيرةَ دائمًا تكون للحق، فأىُّ حقٍّ هو الغالبُ في بلادِ الأندلس؟.. وأيُّ حقٍّ كُتبت غلبته في معركة ابن الزبير -رضي الله عنهما- والحجاج بن يوسف الثقفي؟.. وأيُّ حقٍّ تُرفعُ رايته إلى اليوم في فلسطين؟!
أرى في وجه القارئ الآن حيرةً من الأمر، أليس الحريّ بالأمر دائمًا أن ينتصر الحق؟! وأن يأفل نجم الباطل مهما علا بزوغه؟
ولكن ما ذُكر في صدرِ المقال حقائقُ لا تخفى على أحد، ولا يصحُّ تجاهلها والنظرُ إليها كعارضٍ شاذٍّ ندُرَ ذكره في التاريخ.. فاليقينُ أن الحق ذاقَ مرار الخسارة في أوانٍ كُثر، ولم تُسترد مظلمته إلى اليوم، بل علت شوكة الباطلِ حتى استيقن أهل الحقِّ من أن مظالمهم قد ضاعت، ووجب عليهم البحثُ عن مظلمةٍ جديدة كي تسترد.

فالأندلس سقطت منذ عام 1492م.. والدولة الأموية برزت شوكتها إثرَ استشهادِ آخر مناهضيها عبدالله بن الزبير، وما فتئت فلسطين تستحث النخوة التي دفنت في قلوب العرب إثر نكبة 48.
ذلك كله قطرةٌ من سيل -وفي السيل العجب- ويكمن عجبه في تكرار مآسيه مجملًا وتفصيلًا على مدار الزمان، ولا يزالُ المنطق العجيب ذاته قائمًا، أن الخيرَ ينتصرُ في النهاية.

إني لا أجد مبررًا لأحدهم إلا أن يكون بمنطقه ذاك يدعم كونه مؤمنًا، ويرسخُ في تكوين ذاته أن من نادوا بالإيمان لا ينهزمون، وإن انهزموا فالغلبة في نهاية المطاف لهم، وهو في هذي الحالِ ناقصُ الإيمان، حيث إن إيمانه مقترنٌ بانتصارِ الحقِّ أو انهزامه، فتوحيدُ الله عز وجل والإيمان به هو إيمان مطلقٌ لا يزيدُ أو ينقص بمجرد موقعةٍ أو معركةٍ.. الإسلامُ باقٍ، ذو أمر لا ريب فيه.. لكن الأمر الذي يحتمل المراء أن ينتصر جيش المسلمين أو ينهزم، فذلك مسببه عادةً حال المسلمين لا حال عدوهم، و"أُحُد" و"حُنَين" شاهدتان على ذلك، وكان قائدهما النبي ﷺ .. ألم يكن حريًّا بالحقِّ يومها أن ينتصر؟!

-3-
وقف شاردًا يخفي ما اعتراه من قلقٍ وحنق، ظل يعد اللحظات، يغدو ويعود لعله لم يدرك نتاج ما خطط فعله.. يشير إليه غرابٌ أن اتبعني، يصرعُ الغراب صاحبه ثم يبدأ في إخفاء ملامحه شيئًا فشيئًا، ليواري التراب جسد الغراب.. فيُسِرُّ في نفسه أنْ يا ويلي لم أجد غير الغراب أتبع خطاه في إخفاء أخي؟ يلقي بأخيه على الأرض، يحفر القبر الأول لولدِ آدم، ثم يواري سوءة أخيه، ثم يبلل يده بدمعه، يعلو نحيبه بالندم في آنٍ لا ينفعُ فيه الندم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.