المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد الرحمن الجندي Headshot

لماذا عينك يا جدى.!؟

تم النشر: تم التحديث:

2015-11-21-1448144071-8069161-8439676279_bdb549c04e_z.jpg

عجوزٌ تلافحني الأيام وتغرس فى صدري صناديد القدر، اليوم عيدُ ميلادي السبعين، أقضيه مع أبنائي وأسرهم، مغتربٌ عن الوطن الذى ظل يعذبني حتى فررت منه قبل ثمانٍ وأربعين عامًا، بادرنى عبدالله حفيدى بسؤال لم يدُر بخلدي أن صغيرا مثله قد يسألنى إياه.. لماذا عينك يا جدى؟ لماذا هي بهذا الشكل وعلى هذه الطريقة.. لم أجد نفسي إلا وقد نهرته، وأبوه يجره ويعنفه، دلفت سريعاً إلى غرفة نومى بالطابق العلوي.. صدقت يا عبدالله! لماذا عين جدك خصيصاً، ولماذا أخفي عنك ويوماً ستعرف يا صغيرى؟ الحقُ أني لا أريدُ أن تشعر بالحنقِ على بلدِك الأم، صحيح أنك لم تولد بها.. ولم تزرها طيلة السبع سنين التى قضيتها من عمرك، لكنك تعلم أنك غريب عن تلك البلادِ التى نشأت بها، تعلمُ أن أهلَّ بيتِكَ يتحدثون فيما بينهم بلغةٍ ليست اللغةَ التى يتعارفُ بها بنو سنك.. لا أريدُ أن أزرعَ فى قلبِك ضغينةً للوطنِ الذى لطالما أحببتُه، وأمضيتُ به شبابي، وفديته بأعز ما أملك.. ثم خرجتُ منه هارباً أقضي نحبي؛ فى بلادٍ لم تكن ذراعاها مفتوحةً إليَّ بقدرِ ما أذلني أهلها، وتجرعت الويلَّ حتى أنسى، لماذا تذكرنى يا بني.. وقد اعتدتُ أن انظرَ فى المرآةِ فأتألم، لأن عيني اليسرى قد أصابها يومًا أحدهم ففاضت إلى بارئها..

لم أجد نفسى إلا فاتحاً باب الغرفةِ وأنادى يا عبدَالله، فيردُ ندائي بصوتٍ شجىٍ أعشقُ حلاوته.. الحقُ أن أكثر ما يميزُ هذا الطفلَ هو فضولُه الزائد وشغفه للمعرفةِ وإن لم تتعدَّ سنه السابعة.. لم ألحظ هذا يوماً فى أبيه ولا حتى باقى إخوته.
رُحت أقلبُ أنا والطفلُ صوري فى سن الثامنة عشر.. هنا يا بنى ميدان التحرير وهذا أنا أرفرف العلم، وهذه صورتى يومَ التنحِّي، وهذه يا بُني أنا يومَ حملوني على الأكتافِ لأنَ أحدَهم قنصَ عيني!

سألنى ولم قنصها يا جدى ؟؟
الحقُ يا ولدي أني مشوشٌ أخبُرِكَ أم لا.. ما زلتُ لا أدرى، فإلى اليومِ وبعدَ أكثر من خمسينَ عاماً مـا زالت بلادُك قابعةً تحت حُكمٍ عسكرى.. وما زالت بلادك تعجُ بانقلاباتٍ وثوراتٍ لا تنتهي، مصرُ أصبحت دولةً من دولِ العالمَ السادسِ يا صغيرى.

انظر يا صديقي، عندما كنتُ أكبُرُكَ بقليل تحديداً عندما كان عمرى 18 عاماً قامت ثورةٌ كتلكَ المشتعلةِ فى مصر الآن، أشعلها الشبابُ وراح ضحيتها أكثر من 800 شهيدٍ، دفعوا دماءهم بغير حقٍّ جزاءَ أنهم قاموا على حاكمٍ ظالم.. حكمَ البلادَ لـ 30 عاماً .. اسقطناهُ فى 18 يوماً.. أي والله يا عبدَالله، أترى هذه الصور!! ملايينُ من البشر تكتظُ بهم الشوارع والألعابُ الناريةُ تضيء ليل القاهرة.. كانَ يوماً لا ينسى يا عبدَالله، ثم سلمنا أمرنا للمجلس العسكرى، ذاكَ المجلسُ الذى أئتمناه على أعزِ ما ملكنَا يوماً، ائتمناه على أنفسنا وأعراضنا ودمائنا وائتمناه على الأغلى من كل ذلك وطننا، فخانَ كل شيء، فأزهقَ أرواحنا وهتكَ أعراضنا، وعرَّى نساءنا.. ونكَّل ببلادنا.. أذكر يا بنَّي ذلك اليومَ جيداً، بدا كل شيء متسارعاً، فدخانُ الغازِ حاصرَ المكان، ولفيفٌ من العسكرِ يسقطونَ كل من طالتهم أيديهم، ثم ينزلون بهراواتهم ويسحلونهم إلى داخل سيارات الترحيلات، فى شارع محمد محمود.. صدقني يا بني أنني لم أعش طيلة السبعين عاما المنصرمة من عمرى يوماً أهول على من ذاك اليوم.. انطلقتُ بين الشبابِ اهتِفُ بسقوطِ العسكرِ.. وإعادة الحكمِ للثورةِ التى لطالما حلمنا بأن تنجح، استمرَ الغازُ يلفُ المكان.. سقط كثيرٌ من الشبابِ ممن دخلَ الغاز إلى أنوفهم مباشرةً.. رُحت مع بقيةِ زملائي نشد إخواننا وننقلهم إلى ضفاف ميدان التحرير، فهناكَ توجدُ أكثرُ من مستشفىً ميدانى..

استمرَ الضربُ طيلة اليوم وجدكَ بين الفينةِ والأخرى يأتى بمصابٍ أو يشيعُ جنازةَ شهيدٍ سقط بين الشهداء، لم نذق طعم الراحةِ طيلة عشرِ ساعاتٍ دارت خلالها معركة محمد محمود، ثم إن أحدَ أصدقائي، اقتربَ منهم أكثرَ من اللازم ليلتقطَ بعدسةِ كاميرته مدى وحشيةِ العسكر، وفجأةً سقط! سقط يا ولدى ليعلن عن شهيدٍ جديد ستشيع جنازته بعدَ لحظات.. لم أدر بنفسي إلا وأنا أتخطى الجموع، أتخبطُ فى هذا وأقع جراءَ تسارعُ خطاى ثم أقوم.. وإذا بي أتلقَى الرصاصةَ التى عرفت مكانها.. أصابت عيني اليسرى! كان آخر ما سمعت؛ جدع يا باشا جت فى عين الواد.

لم أكن الوحيد يا بنى الذى ذاقت عينه وجع الطلقة الغادرة، فأكثر من ثمانين آخرين، ناهيك عن الشهداء والمصابين بإصابات أخرى، كان اليومُ والأيام التى تلته أيامًا عصيبةً بحق، ثم نامت أعين الجبناء، وسهرت أعيننا تنعي أخواتها.. وسهر ذوونا ينتظرون الفرج.. فكان الفرجُ يا بنى يوم هاجرنا!!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.