المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد الرحمن الجندي Headshot

يومٌ عصيب

تم النشر: تم التحديث:

حين تملك مفاتيح الكلمات ولا تدرى ما تقول، حين تنصب عبراتك صبًّا كلما ذكرت هول ذلك اليوم.. عندما ينتفض جسدك بمجرد صرخةٍ تسمعها من ثغرِ طفلٍ يطلقها على أمه، فأنت فى حضرة أعظمِ مجزرة خطها التاريخ الحديث، إن مجزرة رابعة ليست مأتمًا ليبكى الجميع فيه، ولا مآلاً لشامتٍ ليشمت فى مصابيه، يومُ المجزرة يومٌ ملحمى صور فيه التاريخُ بطولات لا تنسى، كما دون فيه وحشيةً لا تُغتفر، إن يوم المجزرةِ أكبرُ من أن نصنفه على أنه نتاجٌ لاختلافٍ سياسىٍ أو عرقى أو حتى عقائدى، سقوطُ شهداءٍ بالمئات، بل قل بالآلاف.. نتيجةً لطغيانِ طاغٍ وإجحافِ مجرمٍ، من قنص للرؤوس وحرق للجثث، ودهس للصدور وإهانة لكلمات القرآن وحرقٍ لبيتِ الله..

يومها صحوتُ على دوى رصاص يهز القاهرة، فصرختُ كطفلٍ لا يدرى أنه قد كَبرَ على الرَضاع.. صرختُ كما لم أصرخ فى حياتى، لكن عينيّ ما زالتا غيرَ قادرتين على استيعابِ حجمِ الكارثة، لم تسعفنى العبرات، ولم تُعِنِّى العباراتُ على صياغةِ الحروف فأصبحتُ كغيرى من شتاتِ المصريين أعد الضحايا، وأحصى المصابين، فاقَ العد تخيلى.. فعد حباتُ الأرز باتَ أيسر علىَّ من إحصاء الضحايا، خرجت نوافذ الإعلامِ لتبثَّ علينا أن الفضَ يتم بقرارٍ مسبقٍ من النيابة العامة، وأن العُـزَّل المحاصرين فى الميادينِ كلابٌ وجب تصفيتهم، لم يدركوا أن دماء الشهداء ما زالت قابعة لم يوارِها التراب، وأن صرخاتِ الأطفالِ ما فتئت تتكرر لم يخرسها الضباب، ستمر دوى الرصاص لعشرِ ساعاتٍ أو يزيد سقط خلالها ما يقارب الـ 2500 شهيدٍ و 5000 جريح حسب وكالات الأنباء والمنظمات الحقوقية، أما رئيسُ الوزراءِ المصرى - حازم الببلاوى - فخرج يهنئ الشعبَ المصرى؛ الذى خرجَ قبل أقل من شهرٍ تقريبًا مفوضًا السيسى، فبعد معركةٍ مضنية تدور رحاياها فى رابعةَ والنهضةِ و ضواحيهما سقط ما يقل عن 900 إرهابى مسلح برصاص قوات الشرطةِ البواسل، فلا تغرنكم صرخاتُ أمهاتِهم، ولا يثيرنكم نحيبُ أطفالهم، فالجزاءُ من جنسِ العمل، وعملُ هؤلاءِ على حد قوله هو ترويع الآمنين، وتكدير السلم العام، وحيازةُ أسلحةٍ ثقيلة، ودفنُ قتلى تحت منصتهم، وتعطيل الطريق، ومقاومة السلطاتِ، ومحاولةُ الانقلاب على السلطة! ليس نكاتًا أو عباراتِ أفلام، هذا تمامًا ما حواه خطاب الببلاوى، وأكده الإعلاميون مساءً فى جلساتهم، فأتباعُ الرئيس المعزول عمدوا إلى إسقاطَ النظامِ الذى أسقطَ نظامهم الذى انتخبوه، وغدت تلك تهمةً يحاسبون عليها..

وبين شهيدٍ ومصابٍ فُقد أكثر من 250 شخصًا لا يُعرفُ حالهم إلى هذه اللحظة، جفت دموع ذويهم، وفقدوا الأملَ فى أن يروا مفقوديهم، تضاربت الأخبار حول غدوهم فى سجونِ النظامِ أو قد وارتهم الأرضُ كما وارت غيرهم من الجُثثِ المفحمة، تحت حكم العسكر.

وإلى يومنا هذا لم يُفتح تحقيقٌ ولم تحقق محكمةٌ مصريةُ فى مذبحةِ القرن، بل لم يكفف العسكرُ عن القتل والقمع والاعتقال والأسر، بل وصلَ الأمر حد التصفية فى بيتِكَ وبين أولادك فى وضحِ النهار، فبعدَ أن كان عدد الشهداءِ فى رابعةَ يقارب 2500 إذ به اليومَ يتعدى حاجز الـسبعةِ آلاف، وبعد أن كانت السجونُ مصيرًا للمجرمين، أصبحت خاتمةَ أكثرِ من خمسين ألف معتقلٍ سياسي إلى يومنا هذا، وبعد كل هذا وذاكَ ما زالت مصرُ تملك من الرمقِ ما يجعلها تفرح، أو ما يجعل بنيها يتناسونَ مذبحةً أسماها العالمُ مذبحة القرن، ويجعلون يومها مجرد ذكرى؛ يغردون لأجلها فحسب!!