المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبدالله مبارك شرادقة  Headshot

نشوة المجد المنعكس Basking in reflected glory (BIRGing)لماذا ننجذب لتشجيع الفرق الرياضية ؟

تم النشر: تم التحديث:

2017-08-26-1503717330-7442987-gamaher1.jpg

لطالما أثار اهتمامي شكل تلك الجماهير التي تهتف بصوت عالٍ على مدرجات كرة القدم، وتدفع من المال ثمناً باهظاً لحضور مباراة فريق معين، ناهيك عن الشتائم أو حتى التقاذف والتراشق والتصادم بين جمهور ومشجعي كلا الفريقين في ساحة الميدان، فقط لأن كلاً منهم ينتمي لطرف آخر.

قد أتفهم تشجيع الشخص لمنتخب بلده ضد منتخب بلد آخر، حتى ولو كان فضّاً متعصباً (لحد ما طبعاً) بتشجيعه ذلك، أو حتى تشجيعه لنادي مدينته ضد نادي مدينة أخرى، ولكن وللخروج من إطار كل الاعتبارات القومية والوطنية، سأركز على مشجعي كرة القدم لفرق معينة، الذين ليس لهم بتلك الفرق أي رابط وطني أو قومي، فعلى سبيل المثال، لا أخص بالذكر سكان مدينة مانشستر لتشجيعهم فريق مدينتهم مانشستر يونايتد وكذلك مشجعي ريال مدريد في مدريد أو برشلونة في كتالونيا، وكل مشجعي أندية مدنهم أو منتخبات بلادهم حول العالم.

ذكرت في مقالي هنا أسماء لأبرز ثلاثة أندية على مستوى العالم أسمع بها منذ طفولتي لأبرز لعبة عالمية (كرة القدم)، لكن الأمر ينطبق على جميع الرياضات والأندية والمنتخبات أيضاً، وحتى قد ينال الممثلين والمغنين الذين قد نرغب بالتغني بأمجادهم فقط لأننا من محبيهم أو معجبيهم، فالموضوع أكبر من أن يُدرج تحت صيغة رياضية فقط، لكن تبقى الرياضة وخاصة كرة القدم الأمر الأكثر بروزاً ووضوحاً فيما يخص الموضوع.

ولكن يجب التطرق لأمور معينة وسأبدأها من ملاحظتي أنه في أيامنا هذه أكاد لا أرى أي شخص من معارفي أو أصدقائي دون فريق يشجعه من فرق كرة القدم، إلا القلة مثل بعض قراء الكتب وأصحاب الوقت الضيق لطبيعة عملهم؛ حيث إنني ومنذ أربع سنوات بدأت رحلة البحث في سبب تشجيعهم لفرق معينة، ولكنني لم أصل لنتيجة واضحة مقنعة لتشجيع شخص لفريق معين وتشجيع أقربائه أو أصدقائه لفريق آخر، حيث إنني كنت قد افترضت أن سلوك القطيع (Herd behavior) هو السبب (القطيع هنا هو جمهور المشجعين)، وقد يكون شيء من هذه النظرية صحيحاً؛ حيث إن الشخص يشجع فريق كرة قدم كما يفعل غيره، إما بإرادته حباً بخوض تجربة زملائه الذين يشجعون فريقاً معيناً، أو صدفة عند إعجابه بما يرى على الشاشة عند مرافقته لزملائه للمقهى في يوم المباراة، فهو بذلك يندرج تحت مسمى مشجع مثل غيره من رفقائه، وهو بذلك اتّبع القطيع (فريق المشجعين).

لكن ماذا عن قيام شخص بتشجيع فريق غير الذي يشجعه أقرباؤه مثل أخيه وأبيه في البيت مثلاً؟ فذلك عكس القطيع، أو حتى فريق آخر غير الذي يشجعه زملاؤه في العمل، وهذا يقود لفرضية أنه سلوك نقوم به وتجسيد حركي لنظرية الحجاج (Argumentation theory)؛ حيث إننا كبشر وبغريزتنا نحب أن نجد منافساً بأي شيء، ومن ثم نحاجج ونجادل ذلك المنافس؛ لنثبت للطرف الآخر صحة قولنا، وبالتالي إثبات التفوق على الطرف الآخر، وبالتأكيد الرياضة هي الحلبة الأنسب لمجادلة طرف آخر لما فيها من أمور وحسابات قد تخالف التوقعات، غير أنها رائجة على درجة عالية لدرجة أنها مصدر رزق محلات الرهان، فليست الرياضة كما الرياضيات مثلاً، أو كما نسميها (الحساب) التي لن يجادل أي أحد غيره بأن 1+1=2 فالحسبة في الرياضيات ثابتة لا جدال فيها؛ لذلك هي مملة بالنسبة لمحبي الحجاج والجدل، وسيبقى نقاش شخصين أو مجموعتين على تشجيع فريقين مختلفين مادة دسمة وأشهى للوصول للجدال المنشود.

على أي حال أرى كلتا النظريتين ممتزجتين معاً في جعل الجمهور يتحول لمشجعين لتلك الفرق الرياضية، ولكن يبقى هنالك حلقة مفقودة بالنظريتين، ألا وهو المكسب الحقيقي للتشجيع، فالتشجيع حقيقة هو مخسر مادي عند شراء التذاكر، وعند دفع ثمن الطاولة في المقهى، وعند دفع اشتراك محطات بث المباريات المشفرة، ومخسرة ومضيعة للوقت الذي كنا لنستغله في قراءة كتاب أو حتى القيام بجولة صغيرة مع العائلة والأصدقاء، الحديث هنا عن المكسب وليس المخسر.

في حقيقة الأمر المكسب موجود ولا يحتاج لشرح، فهو أكثر ما يمكن تشبيهه بمشاهدة فيلم سينمائي، فمن منا لا يحصل على الإثارة عند مشاهدة الفيلم؟ بالتأكيد الكل؛ الكل يحصل على الإثارة والمتعة والتشويق والترفيه من مشاهدة الأفلام، لكن الفيلم ينتهي بمتعته بعد انتهائه، بل ويكون مملاً عند مشاهدته مرة ثانية، أما تشجيع الفرق الرياضية يدوم ويكون في كل وقت، ومن هنا يجب البحث عن السبب الأعمق لتشجيع الفرق الرياضية.

حقيقة أنا شخصياً لا أنكر مشاهدتي لبعض مباريات كرة القدم والانسجام معها، وحتى تشجيع بعض الفرق لحد معين لا يتجاوز الحد المطلوب للحصول على جرعة خفيفة من الأدرينالين و(نشوة التشويق والإثارة)، وهنا استخدمت كلمة (تشجيع فريق) متعمداً، وليس (تشجيع نادٍ).

2017-08-26-1503717966-7950923-shaun3.jpg

ولكن حب التشجيع قد بلغ ببعض المشاهدين حداً يفوق البحث عن الإثارة والمتعة فقط؛ والسبب في ذلك هو البحث عن المجد؛ نعم البحث عن المجد هو السبب الأساسي لتشجيع الفرق في أيامنا هذه عند الغالبية؛ نحن نحب أن نرافق أصدقاءنا الذين يشجعون نفس فريقنا، وهنا تتحقق نظرية سلوك القطيع (Herd behavior)، ومن ثم نتأمل فوز الفريق الذي نشجعه لنبدو متفوقين على مشجعي الفريق الآخر مجسدين لنظرية الحجاج (Argumentation theory) حتى نحصل بآخر المطاف على نشوة الحصول على المجد، ولكن أي مجد؟ فنحن لم نصنعه ولم نشارك به، لذلك يسمى نشوة أو متعة المجد المنعكسBasking in reflected glory (BIRGing).

فهو مجد نحصل عليه من شيء لم نقدمه ولم نجتهد به، إنه أسهل وأسرع مجد يمكن لشخص أن يكتسبه وينتشي به، مجد أتى منعكساً من مجد شخص أو مجموعة أخرى كدّت واجتهدت وحصلت على المجد الحقيقي، حصلت على الفوز أو اللقب أو حتى الجائزة المالية، أما نحن فلا نحصل إلا على نشوة فوز ليس له عنوان إلا ثنيات وجوهنا الفرحة راسمة بسمات وضحكات وصيحات تخرج من حناجرنا مهللة بنصر مجيد؛ أما أصحاب المجد الحقيقيون فضحكاتهم وأهازيجهم تكاد لا تُرى ولا تُسمع كما يُرى بريق الكأس المرفوعة بين أيديهم في سماء الملعب، واللمعات الخاطفة للميداليات الذهبية الثمينة، التي ستحفظ في سجل ومتحف النادي لأجيال، كاتبة تاريخ مجد حقيقي.

نشوة المجد المنعكس هذه هي السبب وراء تشجيع الفريق القوي، فهو من يضمن لمشجعه الفوز، ذلك الفوز الذي سيُكسب المشجع نشوة المجد، فلا أحد يغامر بتشجيع فريق ضعيف احتمالية فوزه ضعيفة، إلا قلة قليلة جداً ونادرة، وهو السبب في رغبتنا لتقمص أدوار شخصيات كرتونية عندما كنا صغارا، مثل الكابتن ماجد والكابتن رابح وغيرهما من شخصيات البطولة في أي عمل.

السؤال هنا: هل يحق لنا أن ننتشي ونفرح بهكذا مجد؟ مجد ليس لنا به أو منه شيء، مجد أشتريه بمال تذاكر الدخول للملعب، أو مال فك تشفير القنوات الرياضية، أو حتى ثمن طاولة في مقهى؟ أم الاكتفاء بالبحث عن المتعة والإثارة وتلك الجرعة الخفيفة من الأدرينالين من المباراة لا أكثر؟

بالنهاية لا أحد يمكنه إنكار وجود نشوة في ذلك المجد المنعكس، ومن منّا يرفض الحصول على نشوة مفرحة سهلة المنال لا تحتاج منا سوى بضع صرخات وانفعالات على فرص ضائعة وأخرى غير ضائعة أمام مجموعة من الأصدقاء؟ إما ستفرح تلك المجموعة معنا بذلك المجد المنعكس لأنهم أنصار فريقنا، أو ستفرح بانتصارها على مشجعي الفريق الخاسر، الذي ربما قد يضطر بعضه للانسحاب حزناً، أو الهجوم غضباً، أو الغيظ ووضع اللوم على المدرب أو الطقس أو الحكم أو غيرها من الأسباب، أو البعض الذي يتقبل الخسارة بروح رياضية؛ وأخيراً الصنف الذي يقوم بالتنصل من ذلك الفشل المنعكس (Cutting off reflected failure) CORFing لكي لا يشعر بأنه خسر رهانه الذي زج به للحصول على نشوة ذلك المجد.

مصادر الصور :
http://www.mbc.net/ar/programs/sada-al-malaeb-cat/articles/%D8%B5%D9%88%D8%B1---%D8%A3%D8%AE%D8%B7%D8%B1-7-%D8%AC%D9%85%D8%A7%D9%87%D9%8A%D8%B1-%D9%83%D8%B1%D8%A9-%D9%82%D8%AF%D9%85-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85---%D9%88%D9%81%D8%B1%D9%8A%D9%82-%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%AF%D8%A7%D8%B1%D8%A9-/photos/294110.html

www.walesonline.co.uk/news/wales-news/just-nine-welsh-football-fans-11544159

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.