المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد الله ابراهيم Headshot

التوّحد

تم النشر: تم التحديث:

ليست كلمات عن الاصطفاف، أو حديث عن مرض يصيب الأطفال، وإنما ذاك الداء الذي يسري في أوصال كثير من المسؤولين أيًّا كان انتماؤهم الأيدولوجي أو السياسي.
وكما يسمي المتخصصون التوحد بأنه (الذاتوية) فإن هذا الداء يتسرب إلى "المسؤول" أو"الجماعة" أو "الشخص" تحت لافتات كثيرة لا يُستثنى منها أصحاب الانتماءات الأيدولوجية.

فالعسكر في مصر مثلا -وكما يقول أنور عبدالملك صاحب كتاب "مصر مجتمع عسكري"- ينظرون للمجتمع المدني من زاويتين الأولى: أن المسؤول العسكري وحده هو القادر على إدارة الحكم في مصر، بل يعتبر نفسه المخلِّص لها من مشاكلها.
أما الثانية: فإنه لا يثق في صلاحية أي مدني للحكم، رجلا كان أو امرأة، مدنيا كان أو ريفيا، فالأصل أنه لا يرى في الشخص المدني أهلية للحكم ولا صلاحية لإدارة شؤون الدولة. هذا من حيث المبدأ، فلا قيمة للحاكم إلا إذا كان عسكريا..

هذا التصور الذي ينطلق من أن العسكر وحدهم هم القادرون على إدارة مقاليد الحكم هو منطق (ذاتوي) يجعلهم طبقة عليا لا يحق لأحد أن ينفرد بالحكم سواهم، ولا مانع من أن يكون ذلك تحت شعار الحرص على الدولة وحماية المؤسسات والقوة الوحيدة المتماكسة.. إلى آخر تلك الشعارات التي ترفع، لكنها تؤدي في النهاية إلى كوارث نتائجها غير غائبة.

لكن على الضفة الأخرى، فإن هناك سياسيين ومسؤولين وليبراليين -وهم كثر- لا همّ لديهم إلا أن يروا أنفسهم في الحكم أو في السلطة باعتبارهم النموذج الوحيد القادر على إدارة دفة الملك.
وكشفت الأحداث منذ يناير/كانون الثاني 2011، عن توحش هذا الداء في أوصال ليس السياسيين فحسب بل في أوصال بعض الكيانات الشبابية التي لم يمضِ على تأسيسها سوى أشهر قليلة فكانت النهاية أنها أصبحت أثرا بعد عين.

المجال ليس لذكر الأسماء السياسية ولا الكيانات الشبابية وإنما في وصف حالة (ذاتوية) توحدية تعلي من (الأنا) والانكفاء على الذات والعيش في عالم منعزل لا يرى فيه المرء أو المسؤول أو الشخص إلا نفسه وذاته فإما أنا أو فإن الجميع لن يستطيعوا البقاء ولا العيش وليسوا مؤهلين من حيث المبدأ.

ليس بعيدا عن هذا الداء العضال، أصحاب الانتماءات الأيدولوجية أو الإسلامية، سيما بعض القيادات منهم. وتحت لافتات كثيرة ليس أقلها "الحفاظ على المؤسسة أو الجماعة أو التنظيم" يرى هؤلاء أن بقاءهم ليس بقاء لأشخاصهم، وإنما هو بقاء للجماعة والكيان وأن المصلحة تقتضي بل الواجب هو وجودهم وتربعهم وبقاؤهم في المسؤولية.
ولو نظر هؤلاء نظرة سريعة إلى سهام الانتقاد التي يوجهونها إلى من يديرون دفة الحكم في كل قُطر لعلموا أنهم يمارسون نفس السياسة تحت شعارات أيدولوجية حتى وإن كانت بنوايا حسنة.
إن الذاتوية أو التوحد داء يستشري في المرء نفسه، حين يرى أنه صاحب الصواب المطلق أو أن الدنيا "محلك سر" إن لم يكن هو قائدها حتى وإن كان على نمط بسيط.
لا يعني ما سبق أن الجميع مصاب أو أن إنكار الذات وأهمية القيادة لا قيمة لها، وإنما يعني المحاسبة والمساءلة وإحقاق الحقوق وتبادل الأدوار والثناء على المحسن ومحاسبة المخطئ. فالوقاية خير من العلاج.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.