المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد الله ابراهيم Headshot

أنت هنا مجرد رقم

تم النشر: تم التحديث:

"انسى اسمك وانسى أي حاجه في الدنيا، عاوزك تفتكر بس رقمك، انت هنا مجرد رقم، فاهم ولا لا ياله.. احنا هنا غوانتانامو".

هذه الكلمات لم تسمعها أذناي في فيلم مصري حول المعتقلات وويلاتها وإنما في حفل الاستقبال حين اعتقلت أواخر العام 2003 في مبنى أمن الدولة الرئيسي في مدينة نصر.

أما الرقم الذي حصلت عليه والذي استبدلت اسمي به فهو 12، واختفي اسمي عن الوجود لمدة 13 يومًا، كانت هي المدة التي قضيتها في هذا المكان الذي يطلق عليه "غوانتانامو مصر".

الزنزانة التي اعتقلت فيها كان عرضها متر ونصف وطولها اثنان متر على أقصى تقدير، بها مكان لقضاء "الحاجة"، بها فتحة لا يمكن أن تفكر في الاقتراب منها لأنك مقيد اليدين من الخلف. نعم مقيد اليدين من الخلف لمدة 4 أيام كاملة، وخلال هذه الأربعة أيام كان القيد يتحول إلى قيد أمامي فقط عند الصلاة أو عندما تريد أن تتناول الوجبات الفاخرة أقصد الطعام!. الذي هو عبارة عن رغيف "عليه بعض الإضافات مثل الأرز أو الجبن أو أي شيئ آخر".

هل تصورت أن تأكل وأنت مقيد اليدين وتقضي حاجتك وأنت كذلك، ربما لم تتصور ذلك، وربما لم أدرك أن القيد الأمامي هو في حقيقته نعمة كبرى إلا بعد أن عايشت هول ما يسمى القيد الخلفي لمدة أرعة أيام متواصلة، كان عليك أن تنام وأنت كذلك، ولا تسألني كيف جرى هذا فإني لا أتصور كيف مرت هذه الأيام، لولا فضل الله ورحمته بنا.

في هذا المكان لا تبصر شيئًا ليس لظلمة المكان والذي يقع تحت الأرض فحسب، وإنما لأنك معصوب العينين طوال الوقت، إلا إذا غامرت وفكرت أن تزيح تلك العصابة من على عينيك لتحاول أن تبقي عينيك سليمتين. وربما خلال تلك المحاولة يبصرك أحد أولئك السجانين غلاظ القلوب فيقوم معك بتشريفة لائقة.

غير مسموح لك في هذا المكان بشيئ، فليس لديك ساعة ولا كتب ولا مصحف ولا أي شيء سوى بطانية ميري "معفنة" لا تقي بردًا ولا تستر جسدًا. أما أوقات التحقيق فربما تستمر لساعات طويلة تبدأ في وقت لا تعلمه وتنتهي أيضًا في وقت لا تعلمه.

هذه الأوقات العصيبة الطويلة التي لا تدرك فيها نهارًا ولا ليلًا رغم مرارتها، فإنها تجعلك تدرك حجم المأساة التي يعانيها المعتقلون في السجون المصرية خاصة معتقلي سجن العقرب. هذا السجن الذي شهد وفاة أربعة سجناء داخل جدرانه في الأشهر الثلاثة الأخيرة، كان آخرهم رئيس مجلس شورى الجماعة الإسلامية عصام دربالة.

السجن وبناء على تقرير نشرته صحيفة المصري اليوم "يتكون من 320 زنزانة مقسمة على أربعة عنابر أفقية، تأخذ شكل الحرف (H)، بكل زنزانة مصباح تتحكم بها إدارة السجن، ويحتوي كل عنبر على 80 زنزانة على شكل حرف (H) ومساحة الزنزانة 2.5م × 3م، وارتفاعها 3.5م، وبكل زنزانة شباك 90 سم × 80 سم، وارتفاعه عن الأرض 2.5 م، ويطل الشباك على طرقة مسورة أعلاها سقف خرساني، ويوجد بالسور فتحات على ارتفاع 3 م من سطح الأرض، يدخل منها الهواء والشمس بطريقة غير مباشرة، لأن شباك الزنزانة ينحرف عن فتحات السور بمسافة 1.5م، وللزنزانة باب حديدي ارتفاعه 2م وعرضه متر واحد، وبه فتحة على ارتفاع 1.5م طولها وعرضها 25 سم × 15 سم، وبداخل كل زنزانة كشاف كهربائي به لمبة 100 وات، ويتم التحكم في إضاءتها عن طريق غرفة التحكم الخارجية".

أما الشهادات التي ترد من داخل هذا السجن، على لسان نزلاء سابقين فيكفيك أن تعلم أنه تحول إلى مقابر للأحياء، فالخدمات الطبية ممنوعة، فضلًا عن إدخال أي أطعمة أو ملابس، أوحتى شيئًا يقي المعتقلين البرد أو مصادر للتهوية.

الزيارات متوقفة منذ أربعة أشهر، وفي حال تمت زيارة تستمر من 3-5 دقايق عبارة عن اتصال من وحدات تشبه "السنترال" وزجاج بين الطرفين وعليك أن تدرك يقينًا أن تلك المكالمات مسجلة.

فضلًا عن ذلك، فإن معظم المحكوم عليهم بالإعدام لا يخرجون للتريض، فالزنزانة مغلقة عليه 24 ساعة والغرف بدون مراوح وينامون على الأرض، سواء في البرد الشديد أو الحر القاتل.

حين تعامل مصر شبابها أنهم مجرد أرقام فإن المستقبل ينبئ بمصائر لا تحمد عقباها إلا أن يتداركنا الله برحمته.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع