المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد الله الرشيد Headshot

بين اللاعمل والتنظير (١)

تم النشر: تم التحديث:

في أيام كهذه التي نعيشها، المليئة بالكم الكبير من الرفض والتمرد على الواقع.. المدروس منها والعشوائي، والتي يشهدها شريحة كبيرة جدًّا من الشباب الرافض للواقع المعاش، والمؤمن بأن ما حدث من الأجيال السابقة من الآباء والأجداد هو سبب انتكاساتنا اليوم، وفي ثورة تكنولوجيا المعلومات والإعلام الاجتماعي التي أعطت الفرصة للجميع أن يشاركوا بتمردهم هذا أيًّا كان وكيفما كان، أصبحت ظاهرة التمرد هذه حالة شائعة، والعامل المشترك الأكبر بين الجميع هو الاعتقاد الجازم أن جيل شباب اليوم واعٍ للمرحلة المُعاشة، ولا يريد أن يكون نسخًا مما سبق. ولنا في تجربة جماعة الإخوان المسلمين خير مثال لهذا النوع من الشباب فهم يؤمنون أن ما مر به جيل آبائهم الصامت على الظلم والقهر سنين طوال، ومن ثم فشلهم الذريع في التجربة السياسية وما آلت إليه البلاد والعباد من عودة آلاف الخطوات إلى الوراء خير مثال ودليل على ذلك!

وفي ظل تكسر الكثير من النجوم اللامعة التي قادت مرحلة مهمة من هذا الجيل ممن اعتبرهم الشباب قدوات حقيقية، وفي ظل غياب المهمة الحقيقية للمنظومة الدينية التي يعوّل عليها عادة في حالة كتلك المسماه الربيع العربي، نجد أن الشباب بدأ يعيش قناعات من مثيل أن لا قدوة على هذه الحياة وأنه هو قدوة نفسه فقط. ليعيش مرحلة من "تهميش الآخر" تطال كل ما حوله وصولًا إلى الثوابت التي تمس الدين في أصله وفصله، بحجة أنه ما عاد ما يوثق به على هذه الأرض. ولعل أبرز ما يمكن الاستشهاد به لمثل هذه الحالة هو رافي بركات العصر "عمرو خالد" الذي صنع جيشًا من الشباب و"صناع الحياة" من حوله ممن أعطوه الثقة الكاملة والعمياء لتكون صدمتهم الكبرى في أشد اللحظات حاجة لوجوده فخذلهم! من أمثال هؤلاء النجوم الوهميين يبدأ عهد جديد من شباب لا يثق بأي أحد بسهولة! أو ربما لا يثق إلا بنفسه.

مرحلة خطيرة للغاية من التنظير والاقتناع بأن للشباب الحق والقدرة التامّة والمستمرة على النقد والانتقاص من كل ما لايروق لأفكاره ومعتقداته (الجديدة)، وتصبح المرحلة المعاشة اليوم قائمة على كمية لا يستهان بها من الشباب، لا يجيد سوى النقد والتنظير، والفعل يبقى صفرًا في الشمال هشًّا ضعيفًا. لنصل إلى حقيقة مُرة وهي أن الجيل السابق كان يعاني رُبما من مشكلة واحدة وهي عدم القدرة على "الفعل والتغيير"، أما اليوم فأصبحنا في مشكلتين "لا وجود للأفعال وزد عليها كمية من التنظير والتمرد" فأصبحنا أشبه ما نكون بمن كذب الكذبة ثم صدّقها.

المشكلة الحقيقية فعلًا أن الجميع أصبح يرى في نفسه مشروعًا قائمًا بذاته، ففكرة المشروع المشترك أصبحت أقرب للخيال، الجميع مُغيرون، والجميع يمتلك ما ينتشل هذا الكوكب العظيم من السواد الأعظم إلى جنّات النعيم وحده أو تحت قيادته، لا مشروع متكامل ولا بديل حقيقي عن القديم، المهم أن نغير لكن إلى ماذا سنغير؟ ما زال مجهولًا أو لا معالم واضحة له. لتخلق حالة من الصراعات داخل أصحاب الهدف الواحد، وتسيل شلالات من الدماء ويدمر الأرض والشجر. سوريا اليوم تجسّد واقعًا مريرًا يقوم على فصائل كلٌّ منها يرى التغيير بمنظوره، كلٌ منها يؤمن أنه صانع هذا التغيير وسيده، مجلس ثوري هنا، ائتلاف هناك، الداخل لا يعترف بالخارج والخارج لا يحس بالداخل، وصراعات لا تنتهي، الكل يبحث عن المجهول وبينما عملية البحث قائمة يطحن كل منهم الآخر.

مما سبق نجد أن شريحة الشباب تندرج تحت نوعين، الأول ما زال يؤمن بالمعتقد القديم كفكرة مع عدم إيمانه بالجيل السابق فيه ويحارب جاهدًا لإحداث التغيير فيه مع الالتزام بما يعتبره أصل الفكرة أو البذرة. وآخر يعتمد على جهود فردية أو مجموعات صغيرة كلٌّ منهم يغني على ليلاه لا مشروع واضح ولا طريق وهدف يكون العمل لأجله بالشكل الحقيقي الذي يصنع فكرة بدم جديد ونتيجة حقيقية تختلف عن مثيلاتها خلال العقود الطويلة الماضية، بمعنى النية سليمة ولكن الجهد متناثر هنا وهناك لا نتيجة حقيقية ملموسة واقعيًّا، في معظمه تغيير لحظي لا يعول عليه!

وحتى لا يفهم كلامي في غير سياقه، أو أنه جلد للذات وللشباب، أؤكد أنني لازلت أؤمن بالشباب وقدراته العظيمة في إحداث التغيير لكنني أؤمن أكثر أننا ما زلنا نصفق بيد واحدة وحان الوقت لتصفق الأيادي جميعها! التغيير الحقيقي للمرحلة القادمة في نظري هو أن يتحد كل من يجد في نفسه مُغيرًا لنضنع مشروعًا متكاملًا حقيقيًّا يلتف من حوله كل من يؤمن بأفكاره وتوجهاته، الموضوع ليس صعبًا كما أنه ليس سهلًا. إلا إنها خطوة يجب أن تتخذ للأمام، يكفينا غوغائية واندفاعًا بلا أي هدف ولا معنى، لا تريدون القديم.. لا ضير في ذلك لكن قبل أن ترمي القديم، اصنع الجديد حتى لا تخسر كل شيء حولك.
ما هو الطريق الحقيقي لهذه الخطوة؟ وما هي أسس هذه الخطوة؟
سنتابعه معًا في الأجزاء المتممة لهذا المقال إن شاء الله..