المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد الله الرحمون Headshot

محاولات الحضور السلفي في تركيا

تم النشر: تم التحديث:

ليس سهلاً على الحركة السلفية اختراقَ الساحة التركية فكرياً وثقافياً، في ظل تراث تاريخي كبير من الصدام بين الوهابية والدولة العثمانية، صنع صورةً نمطيّة في المخيال التركي تضع الوهابيّة في مصاف "الخوارج" أو أقل قليلا. كما أن السلفية كفكرة تحتاج قدراً من "عروبة اللسان" ليتم تداول مقولاتها وأدبياتها بشكل سلس ومفهوم، على عكس التصوّف المنتشر منذ زمن طويل بين الأتراك والقائم على الترميز والأدعية والتعلّق القلبي والذي من السهل تقبله في بيئة "أعجمية اللسان".

في السياق السياسي كما الثقافي أيضاً، نرى الكثير من الاتهامات المتبادلة بين الطرفين، الدولة السعودية التي تتهم العثمانيين بارتكاب مجازر في الدولتين السعودية الأولى والثانية كما هو مدوَّن في الكتاب المدرسي للتاريخ في المدارس السعودية، مما يُعبر عن وجهة نظر رسميّة، والأتراك أيضاً يرون الدولةَ السعودية أنها وليدة مؤامرة بريطانية على الدولة العثمانية، ساهمت بشكل كبير في إسقاط "الخلافة" وتقسيم الشرق الأوسط.

انعكس هذا الصدع على الملف الأمني للحكومات التركية المتعاقبة، إذ أنه حتى لو كانت المصالح القومية العليا هي التي تُوجه بناء الاستراتيجية الأمنية، فإن لمواقف التاريخ ومقولات الثقافة أثراً كبيراً على السياسات الأمنية، التي نراها تتردد بين المتخوّفة كثيراً من السلفية والمتخوّفة قليلاً، معتمدة على درجة الانفتاح على المشرق اقتصادياً أو درجة إدارة ظهرها له، فالأتراك يرون أنّ أي سلفيّة متشددة مهما كانت، في زمن أصبح من السهل التفريق بين السلفيات المختلفة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، والمتصارعة على مفهوم السلفية نفسه.

كان للحروب الثلاثة: حرب البوسنة، الشيشان، وأفغانستان، أثراً كبيراً على تأثر الشباب الأتراك - والذين يزيد عددهم عن المئات بل الآلاف- الذين ذهبوا للجهاد في تلك البلدان، بمقولات تنتمي بشكل أو بآخر للتيّار السلفي، نتيجة احتكاكهم بالمجاهدين العرب والأدبيات السلفية التي جلبوها من بلادهم، فبدأنا نرى شباباً متأثراً بمقولات أبي قتاة الفلسطيني و أبي محمد المقدسي على سبيل المثال، وتُرجمت كتبهم إلى اللغة التركية وتم تداولها على مواقع الأنترنت بشكل واسع، ورأينا أيضاً تلك الرسالة المصوَّرة التي وجهها أبو الوليد الغامدي وترجمها له أحد المجاهدين الأتراك (1 / 2 ) يدعوهم بها للجهاد وترك الدعة إلى الدنيا.

ذِكري لرسالة أبي الوليد الغامدي هنا، والتي وجهها بشكل رئيسي للشباب الأتراك، مُعبِّرة ومهمة للاستدلال على درجة الحساسيّة الأمنيّة للدولة التركية من الخطاب السلفي، فلربما تكون هذه الرسائل القديمة -في المنظور الأمني- قد تطوّرت بشكل طبيعي وأنتجت الرسالة الجديدة التي وجهها قبل أيام شبابٌ أتراك منتمون لتنظيم الدولة، ولربما -في الحسّ الأمني- يكون ذات الشباب التركي الذي استمع يوماً ما إلى تلك الرسائل وتأثر بها هم من يكفّر أردوغان اليوم ويعِد بفتح القسطنطينية من جديد.

من تجربة شخصيّة، في المنطقة التي أسكن بها في مدينة اسطنبول، وقبيل الانتخابات الماضية بيوم واحد، خرجت صباحاً فوجدت الكثير من الكتابات على الحيطان في الشارع العام، قد كُتبت ليلاً، تحذّر من الانتخابات وتربط بينها وبين الكفر والشرك، Oy verme kafir olma لا تذهب للتصويت..لا تصبح كافراً، oy verme şirk etme لا تصوّت ..لا تُشرك! فما كانت ساعات إلا وقد أتت البلدية لتقوم بإعادة طلاء الحيطان وتُخفي معالم هذه الغزوة!

هناك نوع من السلفية منتشرة لدى بعض الأتراك، الذين درسوا في الجامعة الإسلاميّة في المدينة، وتأثروا بالمنهج السلفي، كوضوح أهمية الحديث الصحيح في البناء الفكري، والمسألة العقائدية، وتبنّي ذات القول في الشيعة، وخطر المشروع الإيراني على المنطقة، من هؤلاء مثلاً: الصحفي المعروف إسماعيل ياشا، وعبد الرحمن كوت لواي، ويمكن القول أن هذه سلفيّة قد عقلنتها الأيام.

ما تُعاني منه السلفية التركية -إن صحّ التعبير- أنها اهتمّت بالعلم وانعزلت عن المجتمع، وذلك تأثّراً بشكل التعليم السلفي على طريقة ابن عثيمين وابن باز، يمكننا أن نذكر من شيوخها، والذين لا تكاد تجد لهم ذِكراً كبيراً في المجتمع إلا على نطاق ضيّق: Huseyin Ebu Emre حسين أبو عمرو، Mehmet Balcioglu أو المعروف بالشيخ محمد أبو سعيد، Abu Enes hoca الشيخ أبو أنس، Ubeydullah arslan عبيدالله أرسلان، Abu Erva الشيخ أبو عروة، Feyzullah Birışık الشيخ فيض الله، hüseyin cinisli الشيخ حسين، Talha Bekret الشيخ طلحة بكرت، Necmi Sari الشيخ نجمي، وآخرين.

يتلاقى هؤلاء نوعاً ما، مع ما يفعله Abdullah Yolcu أو عبد الله الأثري من جهود للحضور السلفي، فقد قام -وهو تركماني عراقي الأصل- بترجمة كتاب Mecûsilerin Geri Dönüşü ( و جاء دور المجوس ) (3)، إلى اللغة التركيّة، وهو كتاب لمؤلفه محمد سرور زين العابدين -أو عبد الله الغريب- نشرته مكتبة الغرباء -المملوكة له- الواقعة في منطقة السلطان أحمد، اسطنبول ( من الطرائف: أن المكتبة التي ترجمت كتاباً يُعتبر الأشرس في نظرته للشيعة والثورة الإيرانية، تقع بالقرب تماماً من القنصلية الإيرانية في اسطنبول).

كما تعدّ هذه المكتبة المدعومة من السلفية السرورية ممثلة بشيخها السوري محمد سرور زين العابدين، وذلك بعد انتقالة من قطر إلى تركيا وربما قبل ذلك، وتقوم بطباعة كتبه العربية وترجمتها إلى التركية أيضاً، من أهم الأماكن التي تقوم بنشر السلفية ثقافة وفكراً.

فقد قامت مؤخراً، على سبيل المثال، بترجمة كتاب التوحيد لابن عبد الوهاب إلى اللغة التركية (4)، الكتاب الذي صنع -أو ساهم بشكل أساسي- احتراباً بين العثمانيين والوهابية، وكتاب الأصول الثلاثة لابن عثيمين وهو من الكتب التأسيسية للفكر السلفي المعاصر، وقامت أيضاً بترجمة بعض كتب ابن تيمية، والتي قال عبد الله الأثري أنها من أكثر الكتب مبيعاً عنده (5). في تصريح له لموقع المسلم قال الأثري قبل سنوات: قبل ١٣ -١٥ سنة، لو سألتني كم عدد السلفيين الموجودين (في تركيا) المستوعبين لأصول دينهم؟، لقلت لك إنهم لا يتعدون أصابع اليد، أما الآن، فإن الذين نعرفهم أكثر من ألف، والذين لا نعرفهم ربما أكثر (5).

من المحاولات السلفية أيضاً، وإن كان الداخل التركي ليس هدفاً أساسياً لهم، إنما هو هدف ثانوي، ضمن صورة أكبر، هو دخول حاكم المطيري ومجموعته إلى الساحة التركية، واعتبارها منطلقاً لساحات أخرى سوريّة أولاً وليبية ومصرية ثانياً، وتم تأسيس ما يسمى "مؤتمر الأمة للتعاون العربي التركي"، كمظلّة لبعض المشاريع التي يقوم بها حاكم المطيري، وهو السلفي الذي يملك درجة الدكتوراه في علم الحديث، ومؤلف الكتاب الشهير "الحرية أو الطوفان".

و إن كانت هذه المحاولات قد استقطبت بعض الشخصيات من مثل الصحفي محمد زاهد غول، لكنها باءت بالفشل، لعدة أسباب، أولاً: أنها ليست مقصودة لذاتها، بل كمظلّة انطلاق لباقي مشاريع مؤتمر الأمة في المنطقة، ثانياً: ضعف في فهم طبيعة المجتمع التركي وعوامل التأثير فيه، ثالثاً والأهم: أن مؤتمر الأمة يعتبر تركيا -كالدول العربية- ضمن منظومة دول وظيفية، لكنها دولة وظيفية ناعمة -كقطر- في حين أن باقي الدول وظيفية لكن بشكل خشن!

http://www.guraba.com.tr/vitrin/mecsilerin-geri-dn-ran-devriminin-tarihi-akidevi-ve-politik-boyutlar-muhammed-surur-b-naif-zeynelabidin-p238.html

http://www.guraba.com.tr/vitrin/kitabut-tevhid-muhammed-bin-sleyman-et-temimi-p82.html
http://www.almoslim.net/node/86793

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع