المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد الله العواد Headshot

التفجير.. أزمة تكفير لها خلفية دينية

تم النشر: تم التحديث:

عند أي تفجير انتحاري تظهر أصوات الاستنكار والشجب والاستغراب من طريقة التفجير والآلية المستخدمة والاعتداء على الآمنين أو المسلمين والاعتداء على حرمة الأنفس والمساجد، المستغرب فعلًا هو ردة الفعل وخاصة من أهل السياسة أو أهل الخبرة في الحركات السياسة والإرهابية.

المتابع للحركات التي تلبس رداء الإسلام لأهداف سياسة -عبر التاريخ- المفترض ألا يستغرب ما يقومون به من إرهاب أو تفجير انتحاري وقتل لأهل الذمة أو المسلمين، فالتاريخ يعيد نفسه بشكل أو بآخر وقد تختلف الوسيلة أو أداة القتل لكن يبقى المحرك لهذا الفعل هو أمر راسخ في قلوبهم وسيبقى كذلك!

عند محاولة تفكيك هذا الفكر الذي يعتمد على الكره والقتل والدماء نجد أنه متجذر منذ زمن بعيد، ويعتمد على أفكار يحاولون إلصاقها بالدين الإسلامي، وحجر الزاوية التي تنطلق منها أفكارهم تركز على أمر مهم في عقيدة المسلم وهو العلاقة مع غير المسلمين وأكثر وضوحًا بين المسلم والكافر، وهذا المصطلح هو أهم ما ينبني عليه مشروعهم؛ لذلك يتم تعظيم هذا الجانب وترسيخ أن العلاقة معه هي العداء.

والمتكرر في هذه الحركات التركيز على قضية تكفير المخالف واعتبارها لُب وجوهر الإسلام ، سواء كان الاختلاف في أمر عقدي أو فقهي أو حتى سياسي ..!
والأمر الثاني الذي يقوم عليه مشروعهم هو طريقة التعامل مع هذا الكافر وهي القتل، فالكافر يجب أن يقتل وبدون تردد سواء كان قريب أو بعيد. المعتقد الفكري لهذه الجامعات أو الحركات السياسية التي ظاهرها حركات دينية يرتكز على هذين الجانبين في إقناع الناس لتجنيدهم في استكمال هذا المشروع، ويجدون القبول عند قليلي المعرفة الدينية ومن يعيش الجهل أو العاطفيين المتحمسين لحال الأمة الإسلامية والواقع المرير المعاش سواء في الضعف العكسري أو المعيشي.

لكن ليكتمل هذا الفكر وهذا المشروع في إقناع الآخرين لا بد من توفر الشروط واكتمالها، في الدين الاسلامي لا بد من إمام له بيعة وهناك عالم أو شيخ يتولى الإفتاء ومن ثم مواطنون/ جنود.

وعند إصدار حكم شرعي يفتي فيه العالم ويقره الحاكم أو الإمام ، لذلك من أهم خطوات هذه الحركات هي تنصيب قائد أو حاكم يلتزم بأمره -في بعض الأحيان يكون هو المفتي- وعند اقتناع الأتباع بتوفر الأركان جميعًا ينضج الفكر وتظهر الحركة على أرض الواقع.

بالعودة للمرتكزين الأساسين اللذين تقوم عليهما هذه الحركات تكفير المخالف، والكافر يجب قتله، مع توفر أركان الدولة المستقلة بحاكمها ومفتيها وجنودها يبدأ تطبيق هذه الأفكار وتنفيذ الأحكام حسب الحدود المستطاعة. ومن أهم هذه الأحكام قتال الكافر المخالف وزيادة رقعة الدولة المزعومة.

ولا يستغرب أن يتم القتل والتفجير حتى في المساجد ودور العبادة، لأنهم يَرَوْن هذا الشخص كافرًا حتى لو كان يصلي، ولتوضيح الأمر في الاختلاف السني الشيعي في المذاهب: هناك الكثير من أهل السنة من يرى أن الشيعة كفار/ روافض، وكثير من الشيعة يرى السنة كفار/ نواصب؛ لذلك هذه الفكرة موجودة في أذهان الكثيرين، لكن المختلف هنا هو الفكرة الأساسية لهذه الحركات. يجب قتل الكافر وتوفر شروط الدولة من حاكم وأتباع، لأنه لا يمكن لفرد أن يُكفر وينفذ القتل لا بد من حاكم يقره.

الفكر التكفيري راسخ في عقول كثير من أتباع هذه الحركات أو من يتعاطفون معها لذلك أي مخالف سواء في المعتقد أو الأحكام الفقهية أو جوانب ثانوية فهو كافر حتى لو كان يراه الناس مسلمًا متدينًا ملتزمًا بصلاته وعباداته، ويحتاج حاكمًا أو مفتيًا يقره على قتله.

لذلك فإن من المفترض ألا نستغرب منهم القتل والتفجير في أي مكان أو لأي شخص، ولا يتم تحويل بوصلة النقاش والتحليل للاضطرابات النفسية أو العمل العشوائي، بينما الأتباع لديهم معتقد يؤمنون به وسوف ينفذونه في الحال!

في الغالب قيادات هذه الحركات تحمل الصبغة السياسية أو أطماع الرئاسة والحكم وتدغدغ مشاعر الأتباع بهذا الفكر للوصول لأطماعها وفي بعض الأحيان ينقلب السحر على الساحر وتقوم الثورات الداخلية على القيادة وتتم التصفيات الممنهجة، وهناك تقاطع مصالح أو توجهات مع دول أو حركات أخرى ولتحقيق أهداف خاصة، وفي حالات نادرة تكون القيادات خلاصية -تحمل الفكر الخلاصي- تقوم بهذه الحركة لأنه الحل الأخير برأيهم فتكون المواجهة وتجميع القوى والانتحار الجماعي لعل هناك منقذ ينهي أزمتهم.

المتتبع لفكر القاعدة أو داعش وبعض الحركات في العصر الحديث يدرك تمامًا أن القضية هي معتقد قائم زرعته هذه القيادات في عقول أتباعهم، لدرجة الإيمان الكامل -لا يمكن أن تنهي حياتك وتفجر إلا إذا أنت مؤمن بهذا الفعل- وبالتالي المواجهة الحقيقية ليست مع الأفراد أو الأدوات وإنما مع الفكر.

عندما يقوم شاب في مقتبل عمره باعتناق هذا الفكر ويصبح أداة للقتل والتفجير يوضح هشاشة عقله وفكره وتصوره للدين الإسلامي، والفكرة المغلوطة عن أهمية المواطنة الصالحة وتعارضها مع هم الأمة الإسلامية.

الحرب الحقيقية قبل تأمين حدود البلد من دخول المتفجرات والأسلحة هي تأمين عقول الشباب وإظهار الصورة الصادقة للدين وأهمية الدفاع عن الأوطان وحمايتها، بعيدًا عن الصراع الأزلي بين المنفتحين والمتشددين والخلاف القائم على أخذ أكبر قطعة من كعكة المجتمع.