المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبدالله محمود الشافعي Headshot

زمن العزة والكرامة

تم النشر: تم التحديث:

إن الإسلام منذ أول يوم أشرقت فيه شمسه على شبه الجزيرة العربية ظلَّ يبحث عن رجال يحملون لواءه في مشارق الأرض ومغاربها، رجال لا يخافون أحداً سوى الله -سبحانه وتعالى- فظلَّ الإسلام يبحث عن الرجال في القرى والبلدان حتى يرفع اللهُ بهم لواءَ هذا الدين على عواتقهم؛ ليكونوا لمن خلفَهم عبرة يقتدون بهم في حياتهم.

إن الإسلام عندما وضع أسس اختيار الرجال لم تكن أسساً هوجاء عمياء بلا قيود، بل اختار الله رجالاً يحبون الموت كما نحن نحب الحياة -إي والله-، رجالاً لا يخافون في الله لومة لائم؛ لذلك قال تعالى في محكم آياته: "من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدَّلوا تبديلاً" (الأحزاب: 23).

رجال عُرف زمانهم بزمن العزة والكرامة، زمان كانت فيه كلمة التوحيد ورايته ترفرف فوق كل أرض وتحت أديم السماء، نعم كانت كلمة التوحيد تنشر ضياءها في كل مكان، كما تنشر الشمس ضياءها في رابعة النهار بلا خوف أو تردد؛ لأنها أيقنت أن للإسلام رجالاً يذودون عن حياض هذا الدين بكل غالٍ ونفيس، بكل ما يملكون من قوة وإرادة.

فزمان العزة زال عندما زال وفني هؤلاء الرجال، رجال كانوا إذا سُمعت كلمة "يا خيل الله اركبي" كانوا يسارعون للجهاد ولسان حالهم يقول "وعجلتُ إليكَ ربٍّ لترضى" (طه: 84).

أين زمن العزة والكرامة؟ وقت أن كان أبو بكر يهدد ويتوعد كلَّ مَن جال بفكره وخاطره أن ينقض على هذا الدين ليفكك عقيدته، وكان الفاروق يزمجر كالليث في عرينه، وعلي بن أبي طالب، الفارس الذي لا يُشق له غبار، الشجاع الذي لا يهاب أحداً، ولا ينال منه فارس في ميدان، ما بارز أحداً إلا قتله، وما التقى بأحد في ميدان إلا فرَّ من أمامه، وكان سيف الله المسلول يحمل السيف في وجه كل من تُسول له نفسه أن يطعن في عِرض هذا الدين، وكان يصول على صهوة جواده في جولات مع الكفر لا تُوقفه طول المسافة ولا مشقة السفر لفتح تلك البلاد التي ملئت أرضها كفراً وجوراً، سعد بن أبي وقاص، بطل القادسية، الذي فتح الله على يدَيه أكبر المدن، ومعركته لا تقل أهمية عن غزوة بدر أو أُحد في رفع شأن هذا الدين، كان يدير المعركة وهو مريض مرضاً يمنع أي شخص آخر من المشاركة في الحرب، وفي هذه المعركة وُجد سيدنا عبد الله بن أم مكتوم يحمل راية المسلمين، فقيل له (وكان فقد مقلتَي عينَيه): "أنت أعمى فماذا تفعل في ساحة القتال؟"، فقال لهم: "لقد جئت اليوم لأكثر سواد المسلمين"، فقُتل في هذه الموقعة شهيداً.

لقد وصلت عزة هذا الدين إلى حد لا يمكن أن يتخيله بشر، لقد استطاع أن يدخل الإسلام قلب كل صحابي وصحابية في مدة لا تقل عن 23 عاماً، فكم من صحابي وصحابية أسلموا من أول وهلة لامس الإيمان فيها شغاف قلوبهم!

لقد وصلت عزَّة هذا الدين إلى حد سيّر فيه المعتصم بالله -خليفة المسلمين آنذاك- جيشاً إلى بلاد فلسطين فكان طول الجيش من بغداد إلى فلسطين لنصرة امرأة لطمها أحد كلاب جنود الروم في إحدى أسواق فلسطين، لقد كان من عِزَّة هذا الدين أن ينتصر صلاح الدين على الصليبيين في موقعة لا يمكن توقعها لقلة عدد وعتاد المسلمين وكثرة الصليبيين وعتادهم، ولكن إن الله عزيز يُعز مَن ينصر دينَه، وكذلك معركة عين جالوت ومعارك كثيرة عُز فيها الإسلام وانتشر وهو مُعزٌ لأصحابه.

لقد كان من عِزَّة هذا الدين أن يرسل ملك إنكلترا إلى ملك قرطبة -وكانت تابعة للإسلام آنذاك- يستسمحه في أن يرسل ابنته وبعض علماء إنكلترا ليتعلموا في جامعة قرطبة وختم الرسالة بقوله: "خادمكم المطيع ملك إنكلترا".

كان إيوان كسرى وعرش قيصر يهتزان عندما يسمعان أن جيشاً من جيوش المسلمين قد خرج لملاقاتهما، كانت ترتعد فرائصهم وتشيب رؤوسهم ويُبثَ الرعب في قلوبهم خوفاً من قوتهم، لقد قال أحد قادة المسلمين في يوم لأحد ملوك الفرس قبل معركة دارت بين الجيشين: "لقد جئتكم بأناس يحبون الموت كما تحبون أنتم الحياة".

امتدت الفتوحات الإسلامية وتوغلت إلى أن وصلت إلى الصين شرقاً، وإلى المحيط غرباً، وإلى الأندلس شمالاً، وإلى إفريقيا جنوباً، فدكت الجيوش الإسلامية مشارف أوروبا بعنف، وزحفت إلى ما وراء جنوب إفريقيا من أدغال وأحراش، ثم ماذا؟ لم يعرف قادة المسلمين إلى أين يتجهون، حتى وقف القائد الإسلامي عقبة بن نافع على صهوة فرسه يرقب البحر المحيط الممتد عبر الأفق وقال كلمته المشهورة: "والله لو أعلم أن خلف هذا البحر أقواماً لا يؤمنون بالله ولا يصدقون بمحمد لخضتُ البحر إليهم بهذا الفرس".

عاشت الأمة الإسلامية وأمرها جميعاً تحت قيادة واحدة وكلمة واحدة وراية واحدة، أمة متماسكة لا مجال فيها للجنس أو العصبية أو القبلية، يخرج الأمر من خليفة المسلمين فينفذ على الأمة الإسلامية كلها، سواء أكانت العاصمة مكة أو المدينة أو دمشق أو بغداد أو القاهرة أو سمراء.

يقول أحد كُتاب المسلمين: "كان المسلمون يحملون المصحف لهداية الناس، والسيف لإزالة الباطل، وكان حكامهم يجمعون بين إمامة الصلاة وقيادة المعركة".
ثم ماذا؟
ثم شتتت الوحدة وتفرقت الجماعة، وصارت سيوف المسلمين خشباً يحملها خطباؤهم على المنابر، ومصاحفهم تمائم يعلقها مرضاهم على الصدور، وأصبحت دولهم تبعاً لكل غالب، وتراثهم نهباً لكل غاصب، حدث هذا، وعلى وجه التحديد عندما انهزم المسلمون من الداخل، من داخل نفوسهم، وكانت بداية ذلك وبالتحديد في المسجد الجامع.

عندما وقف أحد الطامعين في الولاية خطيباً، وقال: "أمير المؤمنين هذا وأشار إلى معاوية، فإن مات فأمير المؤمنين هذا، وأشار إلى يزيد، فمن رفض البيعة أو عارض فله هذا، وأشار إلى السيف، فقال له معاوية: اجلس فأنت سيد الخطباء".

عندها آثر كل مسلم السلامة، ولم يرفع صوته بالمعارضة، وبذلك فقد المسلمون أحد مقوماتهم الأساسية التي أناطهم الله بها، والتي من أجلها كانوا خير أمم الأرض قاطبة، قال تعالى: "كنتم خير أمة أخرجت للناس" (آل عمران: 110).

لماذا كانوا خير أمة؟
لأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وما داموا يتمتعون بهذه الخيرية فلهم قيادة البشرية بلا منازع، فإذا فقدوا الخيرية التي وهبها الله لهم، فقد فقدوا مقومات القيادة، استناداً على القاعدة المعروفة (فقد السبب يؤدي إلى فقد المسبب).

تخلَّف المسلمون عن قيادة البشرية عندما بدأت الدعوات الانفصالية تسيطر على الحكام المسلمين، وأصبح الخليفة رمزاً يحكم ولا يملك، وتحول العالم الإسلامي الكبير إلى دويلات صغيرة على رأس كل منها ملك هزيل ضعيف وضاعت دولة الإسلام، وتخلَّف المسلمون عن قيادة العالم عندما قطعوا ما بينهم وبين كتاب ربهم من صلات، فلم يحكموه في شؤونهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية واستعاضوا عن ذلك بالنظريات التافهة الناقصة البشرية الحقيرة لعلماء الشرق.

لقد سقطت الخلافة الإسلامية يوم سقطت على يد كمال أتاتورك -عليه من الله ما يستحق- لقد سقطت منذ 90 عاماً، عندما منعوا الإسلاميين من الوصول إلى الحكم، ومنعوا تحكيم القرآن والشريعة واكتفوا بقوانينهم التافهة، ومنعوا النساء من الحجاب، وأقاموا عليهن العقوبات والغرامات.

ضاعت الأمة عندما ضاعت دولة الأندلس وطُرد المسلمون منها شر طردة، ضاعت الأندلس درة البلاد الإسلامية، ضاعت الأندلس التي قننت العلوم وأخرجتها لتنشر النور والعلم في عصور الظلام والجهل في أوروبا، وضاعت فلسطين، فلسطين التي مات في سبيل الله الآلاف لاستردادها ودخلها صلاح الدين وهو يطأطئ رأسه لله في ذل وانكسار، وقد قدمها أبناء العرب إلى عصابة الشر والمكر والدهاء رخيصة بلا ثمن، سهلة من غير حرب أو مقاومة، مفتحة الأبواب لشذاذ الآفاق ومصَّاصي الدماء وتجار الذهب وقتلة الأنبياء.

ضاعت فلسطين التي فتحها أبو عبيدة بن الجراح ودخلها عمر بن الخطاب دون قطرة دم، أتعرفون لماذا؟
لأنهم رجال صدقوا الله في دينهم، ولم يقطعوا صلتهم به فصدقهم الله وعده ونصرهم، وكانوا أعزة فاتحين مقبلين غير مدبرين، واثقين من وعد ربهم ولقائه.

لو كان في الأمة الإسلامية أمثال المقداد بن الأسود، لكان لهم جولة مع هؤلاء يستردون الأندلس ويعيدون فلسطين لنا.
أين في مصر الإسلام وشبابها أمثال معاذ بن عمرو ومعوذ بن عفراء اللذين قتلا فرعون هذه الأمة؟ أين في أمة الإسلام الآن مثل طارق بن زياد؟ أين في هذه الأمة التي قال الله عنها "كنتم خير أمة أخرجت للناس" أمثال أبي عبيدة بن الجراح وعقبة بن نافع؟ أين خالد بن الوليد الجديد الذي أخرجته مدرسة القرآن؟ أين عمرو بن العاص قاهر الروم على أرض مصر؟ أين المعتصم لينقذ فلسطين وأهلها؟ فالكل ينادي: "وامعتصماه"، ولكن لا يوجد معتصمٌ فينا.

أين العمالقة الذين رفعوا راية الإسلام عالية خفاقة؟ لماذا لم نعد نلمحهم على الأفق البعيد مقبلين؟

يا أمة الإسلام.. يا دولة القرآن.. يا أحفاد محمد بن عبد الله.. عودوا إلى ربكم وتدارسوا قرآنه، تدين لكم الدنيا، وتستقبلكم غزاة فاتحين من كل حدب وصوب.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.