المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد الهادي حريبة  Headshot

احذروا الرصاص طائش

تم النشر: تم التحديث:

"تعس عبد المنصب"... قالها الشيخ الدكتور حسن الشافعي ردا على سؤال: ماذا تقول لرئيس جامعة القاهرة؟
بحجة الجمع بين وظيفتين فَصل الأخيرالأول من التدريس، ورئاسة مجمع اللغة العربية هي الوظيفة الثانية التي لا راتب لها أصلا، بل مكافأة.
وهو على عتبات عامه الخامس والثمانين، جاء قرار فصله كرصاصة تنهي حياته بالجامعة التي دخلها حين لم يكن رئيسها الحالي قد ولد بعد... وقديما قالوا مات الذين اختشوا.
وراء الفصل حديث عن انتمائه للإخوان، لكن أكثر من نصف قرن مضت تشهد ألا علاقة له بالتنظيم.
ضمن محطات حياته اختير مستشارا لشيخ الأزهر، وفي محطته تلك رفض أن يتقاضى راتبا، ولا أن تخصص له سيارة سوداء فارهة عُرضت عليه، وهو الذي لا يمتلك سيارة إلى الآن أصلا. والنزاهة تاج على رؤوس الشرفاء يمرض منه المرتزقة.
طبيعيُ أن يحفر الألم في قلبه أخدودا، لكن المهان -في زمن المسخ- مُكرم، والعكس صحيح.
(2)
"ليس لديَّ ما أتركه لأولادي سوى اسم نظيف وتاريخ محترم، لذا أناشدك أن تساعدني في الذود عن ميراثهم"
جزء من رسالة توجه بها الدكتور منير مجاهد لرئيس الجمهورية بعد قرار استبعاده من موقعه نائبا لرئيس هيئة المحطات النووية.

"اعتبارات أمنية" .. هكذا أخبروه بأسباب الفصل، وفيها فصل من التشكيك بالوطنية والولاء لهذا البلد.

ربع قرن بل يزيد قضاها البروفيسور النووي تخصصا، واليساري توجها، في خدمة مشروع مصر النووي، لم تكن كافية للذود عنه.

وقف الرجل منيرا للمشروع النووي، ومجاهدا ضد المؤامرات عليه، ومن نسي فليتذكر خطابه "مؤامرة على المستقبل" الذي حذر فيه الرئيس المخلوع مبارك من مافيا رجال الأعمال ومساعيهم للاستيلاء على أرض الضبعة.
خَلّص الضبعة من أياديهم، لكن الضباع لم يتركوه.. دارت الأيام دورتها واللي خلف مماتش.
كتب الرفاق عنه بيانات ومقالات، لكن صوتهم المبحوح عجز عن الوصول.
طالت أحلامه السماء في مستقبل نووي لمصر، ثم هبطت على الأرض تطلب اليوم تحقيقا مستقلا نزيها فيما نسب إليه من "اعتبارات أمنية" حالت دون استمراره في مهمته، ونالت من تاريخه الناصع.
لا عجب إذن ففي عصر الأحلام بالسيف.. لا مكان للأحلام بالنووي.
(3)
"خِلصت القصة لكنُ عمر المرارة ما حتخلص .. سلامتك ألف سلامة يا عادل"
والقصة المقصودة هي التي يحكيها الدكتور علاء عوض أستاذ كلية الطب بجامعة القاهرة، عن زميله القيادي بحزب التجمع الدكتور عادل الرفاعي.
ومفادها أن الرفاعي ركن سيارته أمام بيت مجاور لمنزله، وحين ذهب إليها في الصباح، خرج شخص من ذلك البيت، عرفه بنفسه بأنه لواء في الجيش وسيعلمه الأدب.! ثم أطلق رصاصة عليه، أصابته في الفخذ.
يا حراس المعبد احترسوا.. حياتكم قد تكون ثمناً لركنة سيارة في مكان خاطئ.
(4)
أيها الواقفون في اليمين.. أيها الواقفون في اليسار.. أيها الواقفون في الخلف.. أيها الواقفون في المنتصف.. يا حراس المعبد.. أيها المتفرجون.. ليس ثمة ما يحول بينكم وبين الرصاص، الرصاص طائش لا يحدد أهدافه.

علمتمونا صغارا أن الاتحاد قوة، فلما كبرنا رأيناكم متفرقين، تُظلمون وتُظلمون وما نفعكم حتى اليوم أنكم في المظالم مشتركون.
في المجتمع البدائي لكل رجل قبيلته، وفي المجتمع الحديث لكل قيمة رجالها، ولذا تفقد قيمة الدفاع عن الحقوق والحريات مصداقيتها حين تتميز وفق انحياز أيدلوجي أو هوى فكري.

هل تعرفون لمن المستقبل؟ لست متأكدا بالضبط.
أظنه ليس ليمينيين دافعوا عن الشافعي وخذلوا المجاهد وشمتوا في الرفاعي.
وليس ليساريين سطروا بيانات ومقالات للمجاهد، وفرحوا في الشافعي وصمتوا عن الرفاعي.
كما أنه ليس لشللية تعاطفوا مع الرفاعي ولم يعرفوا شيئا عن الشافعي ولا المجاهد.
ظني -وليس كل الظن إثم- أن المستقبل لمن يدافعون عن حقنا جميعا في مجتمع حديث ودولة للعدل والحرية والكرامة.

المستقبل هناك في عصر ما بعد الإيدولوجيا، وفي الما بعدية تلك، لا ترقص القيم على سلم المصلحة، ولا على سلم الإيدولوجيا.

وفي الما بعدية تلك، لا بديل عن عيشنا سويا كإخوة، إلا أن نُقتل جميعا كأغبياء.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.