المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد الهادي حريبة  Headshot

دين ضد دين

تم النشر: تم التحديث:

(1)
مع حلول ذكرى مذبحة رابعة، أصدرت وزارة الأوقاف بيانا اعتبرت فيه الخروج للتظاهر خيانة للدين، وشدد وكيلها صبري عبادة على أن الخروج على الرئيس السيسي خروج على ثوابت الإسلام، فهو ولي الأمر الواجب طاعته كما في آية وأطيعوا الله ...!
وتلك الآية ذاتها كانت محور استدلال الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين لتحريم الخروج على الرئيس مرسي في بيان أصدره قبل الثلاثين من يونيو2013 !

مؤسستان ترعيان الدين أو هكذا يجب أن تكونا، كلاهما يعتبران الخروج على ولي الأمر خروجا على الدين لكن ذلك في زمانين مختلفين، وباختلاف الجالس على مقعد السطلة.
(2)
وفي يونيو 2013 أيضا، أصدر الأزهر بيانا رفض فيه النيل من دين المعارضين للرئيس مرسي، معتبرا أنهم إن خرجوا عليه ولو بالسلاح، لاحظ ولو "بالسلاح" ليس كفرا، مستدلا بأحاديث ومواقف من السيرة.

لكن بعدها بشهرين فقط، تبدلت مواقع السلطة والمعارضة، فأصدر مجلس علماء الشريعة بالأزهر بيانا اعتبر فيه الإخوان جماعة مرتدة، استنادا لحديث "من حمل علينا السلاح فليس منا"!

الأزهر الشريف إذن يمكن ألا يعتبر المعارضين بالسلاح مرتدين مرة، ويمكن أن يعتبرهم كذلك مرة أخرى، الأمر لا علاقة له بالنص الديني، لكن يبدوا له علاقة بمن في موقع المعارضة !

(3)
حل رمضان المنصرم وسأل سائل الشيخ محمد عبد المقصود عن حكم قبول دعوة إفطار أقربائه المؤيدين للنظام الحالي في مصر؟ فكان رده: "لا تذهب إليهم، ولا تأكل عندهم، هؤلاء ليسوا من أهلك، إنهم عمل غير صالح".!

وقبل ذلك بفترة كان قد أفتى من سمي يوما بخطيب الثورة مظهر شاهين بوجوب تطليق الزوج لزوجته "الإخوانية" معتبرا ذلك واجبا دينيا.!

ولك أن تتعجب من تصريحات الرجلين اللذين يتحدثان باسم دين عظيم أجاز لأتباعه -بنص واضح- منذ قرون الطعام والشراب والزواج والعيش تحت سقف واحد مع المختلفين عنهم دينيا، كامرأة يهودية أو مسيحية، وليس المختلفين سياسيا فقط .!
(4)
وإن عدت بالذاكرة اليوتيوبية ستجد في خطبة عيد الأضحى الماضي الدكتور الأحمدي أبو النور، عضو مجمع البحوث الإسلامية وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف واقفا أمام السيسي خطيبا، فيذكر حديثا نبويا يقول "بأن الله إذا أحب عبدا نادي جبريل أني أحب فلانا فأحببه، ثم ينادي جبريل في الملائكة، حتى إذا أحبه الملأ الأعلى ألقى الله حبه في قلوب أهل الأرض"

يضيف الشيخ قائلا: أن العالم حين استمع للسيد الرئيس السيسي في الأمم المتحدة أكبره الناس واحترموه وأعتقد أنه ممن سرى حبه في أهل الأرض بعد حب الله وجبريل والملائكة.

قبلها بشهرين اثنين فقط، كانت انتخابات الرئاسة التركية على الأبواب، فاستضافت قناة الجزيرة الدكتور يوسف القرضاوي، فقال في حواره نصا: "إن الرئيس طيب أردوغان سيفوز لأن الله معه، وجبريل معه، وصالح المؤمنين، والملائكة بعد ذلك ظهير".

أعلم -ويعلم أكثر مني الشيخان الجليلان- أن خبر السماء منقطع عن الأرض، فمن أين جاءا بهذا اليقين في تأكيد حب الله وجبريل والملائكة لرجلين بينهما ما صنع الحداد ومالم يصنع، مستندين لنص ديني واحد ؟!
(5)
يمكن أن أعطيك المزيد من الأمثلة لتدرك أن طرفين يمكنهما الاستناد إلى نصوص دينية واحدة في دعم مواقف متعارضة، فيأخذ من الدين وقت يريد ما يريد ويرفض منه وقت لا يريد ما لا يريد.
ليس المعارضون الإسلاميون وحدهم من يوظف الدين، النظام يفعل ذلك أيضا وبقوة، ولذا فالدين منكوب من الطرفين سلطة ومعارضة، ما يجعل حاجة الدين لتحريره من قبضة السلطة، لا تقل عن حاجته لوقف توظيفه في قبل المعارضة.

وكما تحاول السلطة ممارسة استبدادها بمشروعية دينية، تعمل الحركة الإسلامية من أجل الحركة أكثر مما تعمل من أجل الإسلام ... كلاهما يستخدم الدين أكثر مما يخدمه، وإن تصورا العكس.

الدين معين القيم، أنزله الله هداية للبشر، كل خير ينسب إليه، وكل شر ليس منه، باختصار الدين -أي دين- هو النور في مواجهة الظلام.

خرجت الثورة بمطالب العيش والحرية والكرامة والعدالة، خرجت تطلب قيم الخير التي هي قيم الدين، تطلب العدل مقابل الظلم، والحرية مقابل الاستبداد، والمساواة مقابل الطبقية وتوزيع الثروة بدل احتكارها ... خرجت تخدم قيم الدين ولا تستخدمه.

يخدم الدين كل من يستلهم قيمه العليا كأهداف كبرى أمام عينيه، ويستخدمه كل من يتكئ عليه في استبداد بسلطة أوتوظيف بمعارضة. الأمر بسيط إذن لكنهم يعقدوه.