المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبد العظيم محمد Headshot

لماذا الفلوجة؟

تم النشر: تم التحديث:

هنا تكسرت نصال الجيش الأمريكي في العراق، وعلى هذه الأرض أصيبت كرامة مقاتليه في مقتل.. هنا الفلوجة.

هكذا يتحدث أهل الفلوجة عن مدينتهم وبهذا الكلام يتفاخرون. في إشارة إلى ما جرى من قتال بين الجيش الأمريكي ومقاتلين من الفلوجة عام 2004؛ حيث عجزت وقتها القوات الأمريكية من دخول المدينة رغم القصف الهائل لطائراتها المقاتلة ومدفعيتها وصواريخها، فضلًا عن حصار تام ضربته تلك القوات على المدينة أحاط بها من كل جوانبها لم يستثن إلا النازحين منها من العائلات التي كانت تخاف القصف العشوائي الذي أودى بحياة المئات من المدنيين وقتها. فقد عايشت تلك الحرب بكل تفاصيلها مع فريق قناة الجزيرة الذي كان وحيدًا صامدًا في تغطيته لتلك المعركة رغم ضغط التهديد الذي كان يطالنا من قبل الجيش المحاصر للمدينة، لأننا كنا شهودًا فاعلين في شهادتنا التي كشفت طريقة القتل العشوائية والمقصودة، التي كان يريد الجيش الجريح في كرامته أن يستخدمها للضغط على خصمه محاولًا استثارة الحاضنة الشعبية للمقاومين من أبناء المدينة علها تساعده في خلخلة صفوفهم وفتح ثغرة في الجبهة المقاومة.

استمر هذا الحال نحو ثلاثين يومًا هي عمر تلك الحرب التي سميت لاحقًا بمعركة الفلوجة الأولى. كنا كصحفيين نرصد تفاصيل المعارك لحظة بلحظة ونتتبع مناطق الاشتباك وننقل أخباره بالشرح المستفيض، لأن المعركة كانت حديث العالم أجمع وأهميتها تكمن في قدرة قلة من المقاتلين غير المنظمين وقتها من صد تقدم قوات الاحتلال الأمريكي ومنعها من دخول المدينة، كما أن الفلوجة صارت مضرب مثل للصمود والمقاومة، كيف استطاع هؤلاء المقاتلون من تحمل ضربات أقوى جيش في العالم وترسانته من الأسلحة التقليدية. ولأني كنت هناك فأنا أعرف جيدًا حجم القصف الذي تعرضت له المدينة وشدة القنابل التي كانت تسقط عليها، وماذا يعني أن تبقى الطائرات المقاتلات في سماء المدينة تقصف كل من يتحرك داخلها مخلفة عشرات البيوت المهدمة، قد لا يصدُق أي وصف أتحدث به عما تحدثه القنابل العنقودية من هلع عند سقوطها، كنت أتحرك من مكاني وأنا جالس بفعل الهزات التي تحدثها انفجارات تلك القنابل، كنا كل يوم نحس أن هذا اليوم هو الأخير للمعركة بحكم شواهد القصف والتصريحات التي يطلقها القادة العسكريون والسياسيون الأمريكيون خصوصًا مارك كميت نائب قائد القوات الأمريكية في العراق والناطق باسمها في ذلك الوقت، كنا كل يوم أنا ومن معي نعد خطة للخروج من المدينة في حال دخلت القوات الأمريكية إليها، حيث إننا كنا مهددين من تلك القوات الغازية وكنا نظن أننا هدفا لها. أربعون يومًا كان هذا الإحساس يراودنا، وتبين لاحقًا أننا كنا مخطئين وأن تلك المعركة لم تكن خاضعة للحسابات العسكرية العادية، ومثلنا عرف الجيش الأمريكي تلك الحقيقة المرة، والتي على إثرها وافق مجبرًا على عقد هدنة مع مقاتلي المدينة اعترف بحكمهم على الفلوجة، ليدخل وفد أمريكي عسكري إلى داخل المدينة بحماية المقاتلين من أبنائها، وقد رافقت ذلك الوفد منذ لحظة دخوله المدينة وحتى خروجه منها، وشهدت لحظات عرفت فيها من وجوه الحاضرين وحركاتهم معنى النصر ومعنى الهزيمة.

لم ينس الجيش الأمريكي مرارة تلك اللحظات وأضمر للفلوجة الشر حتى عاد بعد عدة أشهر مستخدمًا أسلحة غير تقليدية أو ما عرف بالفسفور الأصفر واقتحم المدينة من غير شهود هذه المرة بعد أن أوعز لحكومة الاحتلال الأولى بإصدار قرار يحظر على قناة الجزيرة العمل في العراق، لم تستطع أكبر قوة في العالم أن تتحمل سطوع نجم مدينة صغيرة وبضعة مئات من المقاتلين على حساب سمعته وكبريائه فقد صارت الفلوجة حديث العالم كله ورمزيتها تخطت حدود العراق فكان ضربها أو كسرها ضربًا وكسرًا للمشروع المقاوم فضلًا عن رد الاعتبار للكرامة المهانة.

ويبدو لي وأنا أتابع ما يجري من حديث ووعيد للفلوجة من قبل الحكومة العراقية والمليشيات الطائفية التي تساندها أن القائمين على هذا التحشيد ضد هذه المدينة يدركون جيدًا قيمتها ورمزيتها وسيجربون حظهم في تكرار التجربة الأمريكية لكن على طريقتهم.