المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبدالسلام حيدر  Headshot

فاطمة المغربية

تم النشر: تم التحديث:

عندما انتقلنا لبروكسل كنا نبحث عن امرأة أمينة لتنظيف السكن، فعرفنا عن طريق الأصدقاء فتاة مغربية قالوا إنها ممتازة وأمينة، واسمها فاطمة، فاتصلنا بها ووافقت، وفي البداية لم أكن أعرف كيف أتعامل معها، لكنها كانت جادة ونبيهة جداً، وهي التي حددت يوم الخميس؛ لأن جدولها ممتلئ، ولا يوجد إلا هذا اليوم فوافقنا.

وكنت أنتظرها يوم الخميس صباحاً فأعطيها الأجر وأخبرها بما يجب أن تفعل وأنصرف، ومع الوقت أصبحت هي أدرى وتفعل ما ينبغي فعله دون شرح، وكنا نتحدث معها بداية بالفرنسية، وفي أحد الأيام تلجلجت في جملة ما فقالت لي بالعربية: "ممكن نتكلم مصري"، فقلت لها: "أهلاً وسهلاً وإزيّ حضرتك كده"، وعرفت أنها مغرمة بالأفلام المصرية القديمة.

ومع الوقت أصبحت حواراتي معها يوم الخميس صباحاً هي أفضل ما يحدث لي في هذا اليوم، وهي ككل النساء ربما لا تتابع الأحداث الكبرى، ولكنها تعرف من المعلومات ما هو أجدى وأنفع، فكنت كلما احتجت شيئاً في بروكسل ولا أعرف أين أجده أسأل فاطمة فأجدها خبيرة بالموضوع مهما كان، وتعرف من أين نحصل على أجود بضاعة بأرخص سعر، وكنت منبهراً بذلك لدرجة أنني تخيلت برنامجاً تلفزيونياً بعنوان "اسأل فاطمة"، تُعرّف فيه المساكين أمثالنا ببروكسل الحقيقية.

وكان غريباً بالنسبة لي أنها قدمت لبلجيكا حديثاً وتتقن الفرنسية بهذا الشكل المبهر، فقالت لي إنها عاشت طفولتها هنا في بلجيكا، وعندما كانت في الحادية عشرة أرسلها والداها إلى المغرب؛ حيث جدها وجدتها، لتربيتها بالطريقة المغربية، وأنها كانت ترى والديها في الإجازات فقط، ولما شبت وحان زواجها أعادوها لبلجيكا، وأنا أعرف أن الأتراك يفعلون مثل هذا في ألمانيا، خاصة مع البنات، وهو أمر معروف ومنطقي بالنسبة لكثيرين.

وعلمت من فاطمة أنها مخطوبة بالفعل لشاب مغربي - بلجيكي يعمل "شيف حلويات غربية وشرقية" في أحد مطاعم بروكسل، وقد قالت لي مرة إنها وهي تنظف أرفف مكتبتي لاحظت أن لدي قواميس كثيرة، فهل يمكن أن أعطيها واحداً "فرنسي - عربي"، فقلت لها: "لماذا يا فاطمة وأنت تتقنين اللغتين؟"، فقالت: "لخطيبي لأنه مغربي أمازيغي وأنا أعلمه العربية"، فأعطيتها واحداً.

وآنذاك كنت أريد تغيير السكن بآخر أكبر، فوجدت أن السكن في القسم الفلمنكي أفضل وأكبر وأرخص، لكن المشكلة أن البلدية هناك لا تتعامل إلا باللغة الهولندية، وإذا أردت التعامل بالفرنسية لا بد أن تدفع ثمن الترجمة، فقلت لنفسي: ولمَ لا تتعلم الهولندية في الإجازة الصيفية؟ ووجدت معهداً قريباً ثمن الكورس فيه 300 يورو.

وقبل أن أسجل في هذا المعهد سألت فاطمة كالعادة، فوجدتها تدرس الهولندية منذ سنة كاملة، ودائماً في المساء بعد الانتهاء من عملها بالتنظيف، وأنها في المستوى السادس، وهذا كما نعرف مستوى عالٍ جدا، وأنها تعرف كل المعاهد في بروكسل، وأنها تدرس في المعهد الرسمي؛ لأن شهادته معترف بها في كل مكان، ولأن ثمن الكورس فيه 30 يورو فقط هي ثمن الكتب، وبعد هذا الشرح الوافي قلت لها مباشرة: "ينصر دينك يا فاطمة".

وأخذت منها العنوان، ثم سألتها: "ولكن لماذا تدرسين الهولندية؟ وما أهمية الشهادة المعترف بها في حالتك؟"، فقالت، ولاحظ يا مؤمن جبروت فاطمة وتخطيطها "أنها تعرف أن الوظائف في الجزء الفلمنكي أكثر وأفضل، وأنهم يرحبون بك جداً إذا وجدوك تتقن لغتهم، وأنها تبحث عن وظيفة مشرفة في إحدى الحضانات أو المدارس الأولية في الجزء الفلمنكي لذا تحتاج الهولندية"، ولما سألتها: "لماذا الحضانات والمدارس الأولية؟"، اكتشفت أن فاطمة معها ليسانس تربية من المغرب، آه والله وساكتة ومخبية الموضوع، وأضافت لا فُض فوها: "حتى المدارس الفلمنكية أفضل، وأنا أخطط من الآن أن أرسل أبنائي للمدارس الفلمنكية، وبالطبع لا بد أن أذاكر لهم، فأنا أحتاج الهولندية مستقبلاً أيضاً".

الآن فقط عندما أتأمل كل هذا أفهم لماذا أحياناً كنت أقف أمامها مذهولاً ولا أعرف بماذا أجيبها!

وقبل زواج فاطمة سألتنا جميعاً إن كنا نريد امرأة أخرى للتنظيف أم نصبر حتى تعود من شهر العسل في تركيا، فكلنا ودون اتفاق قلنا لها: "سننتظرك يا فاطمة"، وعرفت أن الجميع، ونحن بالطبع، أعطاها هدية زواج ضخمة.

ويوم زواج فاطمة ذهبنا جميعاً للفرح، كل الأسر التي تتعامل معها ذهبت لتهنئتها، وأعجبنا جميعاً بجمالها الأطلسي وبالأطعمة المغربية وبالملابس التقليدية التي لا تظهر إلا في الأفراح وفي صلاة الجمعة والأعياد.

وبعد الزواج وشهر العسل عادت فاطمة لعملها بهمة أكبر، وعرفت منها أنها قدمت أوراق الحصول على الجنسية البلجيكية، وبعد عدة أشهر طلبت منا كتابة تزكية لها، "لماذا يا فاطمة؟"، قالت والفرح ينط من عينيها: "وجدت وظيفة في حضانة فلمنكية وسأكون مشرفة على فصل به خمسة أطفال"، بالطبع فرحنا لها؛ لأنها حققت أمانيها بالتدريج، الزواج والجنسية والوظيفة، وقلت لها: "والله مش بعيد يا فاطمة تصيري وزيرة تعليم وما زلنا محلك سر"!

وانتقلت فاطمة لسكن آخر بالقرب من عملها الجديد، ثم اختفت وانشغلت عنا للأسف، وبدأنا البحث عن فتاة أخرى بنفس المواصفات، ولكن هيهات، كأنه سبحانه لم يخلق منها نسخة أخرى وتركها فرداً مفرداً ليرينا عجائب قدرته، فسلام الله عليك يا فاطمة أنى حللت أو ارتحلت.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.