المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبدالسلام حيدر  Headshot

المعلومات الأساسية لفهم "الثلاثية"

تم النشر: تم التحديث:

ثلاثية نجيب محفوظ الشهيرة (بين القصرين - قصر الشوق - السكرية) عبارة عن رصد روائي لمرحلة انتقال كبرى مرت بها القاهرة في الفترة من سنة 1917 وحتى سنة 1944 وذلك من خلال أجيال ثلاثة لأسرة قاهرية، أسرة السيد أحمد عبد الجواد.

الجزء الأول "بين القصرين" (1956) يستغرق الفترة ما بين أكتوبر/تشرين الأول 1917 وحتى أبريل/نيسان 1919. يبدأ بتولي السلطان أحمد فؤاد العرش سنة 1917 وينتهي بمصرع فهمي عبد الجواد في إحدى مظاهرات 1919. وهو يمثل رصداً روائياً ليقظة المجتمع المصري ودخوله مرحلة الثورية. ويظهر في هذا أيضاً ميل نجيب محفوظ إلى التقسيمات الفكرية؛ حيث نلتقي هنا بثلاثة تيارات رئيسية تتمثل في أبناء السيد أحمد عبد الجواد؛ فالتيار السياسي الثوري يمثله فهمي، والتيار الغارق في ملذاته يمثله ياسين وهو امتداد لشخصية الأب في هذا الجانب، وإن كان له من فضل فهو أنه لم يعِش حياتين متناقضتين كوالده ممثل الجيل القديم، وأخيراً الشخصية الأساسية في الثلاثية ككل "كمال عبد الجواد" وهي تمثل التيار الفكري المثالي.

ويستغرق الجزء الثاني "قصر الشوق" (1957) الفترة ما بين يوليو/تموز 1924 وأغسطس/آب 1927، وهو امتداد للخطين الباقييْن من الجزء الأول. إلى جانب التغيير المكاني لمركز الأحداث نلاحظ أمرين: شكلياً وموضوعياً، فعلى المستوى الشكلي هناك حذف ضمني غير محدد مقداره خمس سنوات يمكن الاستدلال عليه من خلال حديث أصدقاء السيد أحمد عبد الجواد في بداية هذا الجزء عن سفر سعد زغلول والوفد المرافق لمفاوضة الإنجليز، وكان هذا في شهر يونيو/حزيران سنة 1924 أي بعد خمس سنوات من نهاية الجزء الأول. وينتهي هذا الجزء بموت سعد زغلول في 23 أغسطس 1927. وأما على المستوى الموضوعي فالرواية إلى جانب الرومانتيكية الفلسفية التي تسيطر عليها تبرز العوامل الطبقية كعامل من عوامل إفساد ثورة 1919.

وأما الجزء الأخير "السكرية" (1957) فيستغرق الفترة ما بين نهاية عام 1934 ونهاية عام 1944 وهو يبدأ كالجزء الثاني بحدث سياسي كبير (حفلة عيد الجهاد في 13 نوفمبر/تشرين الثاني 1934 التي ألقى فيها الزعيم مصطفى النحاس خطبته التي دعا فيها إلى الثورة ضد الاحتلال الإنجليزي). وفي هذا الجزء يمكن أن نلاحظ ثلاثة أمور عامة: فهناك أيضاً حذف ضمني جديد، هذه المرة لمدة تزيد عن سبع سنوات. وأن زمن الرواية يمتد لقرابة عشر سنوات مما أثر على شكل الرواية وبنيتها، وزاد من هذا أن دروب الرواية تتفرع وتتنوع مع دخول الجيل الثالث إلى مسرح الأحداث. وهذا ما تهتم الرواية برصده ويجب أن نهتم كقراء بفهمه وتحليله. والأمر الأخير أن هذا الجزء ينتهي كسابقيه بحادث موت، ولكنه هذه المرة حادث مزدوج؛ حيث يموت كل من "السيد أحمد عبد الجواد" وزوجته "أمينة".

وكما تلاحظ فقد حرص نجيب محفوظ على ربط التحولات المكانية لمركز الأحداث بالتحولات الزمانية التي تمر بها تلك الأسرة، وتمر بها القاهرة في الفترة نفسها. والحقيقة فإن من يقرأ نصوص نجيب محفوظ لا بد أن يلاحظ أن ثورة 1919 هي أهم أحداث حياته التي خلدها مراراً بأن جعلها منطلقاً لكثير من رواياته. إلا أنه لم يكن يؤرخ لها، وإنما لمفهوم التحرر الشامل الذي عم مصر والقاهرة خاصة على كافة المستويات، وذلك من خلال أسرة السيد أحمد عبد الجواد وكيف ترى الثورة وتشارك فيها، وكيف يتغير وجدان أفرادها، رجالاً ونساءً، دون أن يشعروا بذلك.
وكما سبق فإن الشخصية الرئيسية في الثلاثية، هي شخصية "كمال عبد الجواد" وهي خير دليل على النضج والعناية التي وصل إليهما نجيب محفوظ في تصوير شخصياته، وربما كان ذلك بسبب قربها الفكري منه. رغم أن نجيب محفوظ أنكر مراراً أنه كمال عبد الجواد وقال مرة "الأزمة الفكرية الخاصة بكمال هي أزمتي، فالتطور العقلي لكمال أذكر أنني مررت به تماماً خطوة خطوة، ما عدا ذلك لا تعتمد على الشخصية كترجمة ذاتية؛ لأن أساسها كان الخيال للوصول إلى حقيقة فنية وفكرية".

وقد عاش كمال عدة مراحل من التحرر على المستويات الشخصية والسياسية والعقدية. وهو يمثل -كما سبق- الخط العام لتطورات وتحولات الثلاثية من خيال ومثالية كاملة إلى واقع وحقائق علمية؛ نشأ في جو إرهاب عائلي لكنه ثار على سطوة الأب بأن دافع عن رغبته - بل وحققها - في دراسة الفلسفة بدلاً من الحقوق. وكانت مشاركته في المظاهرات تعبيراً عن تململه من سطوة المحتل وربما سطوة الأب أيضاً. ثم كانت ثورته الكبرى على ذاته، على العقائد والقيم المتوارثة. لقد عانى -كأغلب شباب جيله- أزمة فكرية قاسية، تشبه موجة الإلحاد التي مرت بها شخصيات "القاهرة الجديدة"، شك خلالها في كل شيء فأصيب بالملل والسأم ولم يلبث أن أخرج الله من عالمه مما جعل صديقه القبطي رياض قلدس يرثي لحاله ويقول: "إنك تعاني أزمة فريدة، كل ما عندك مزعزع الأركان، عبث وقبض الريح، نضال أليم مع أسرار الحياة والنفس، وملل وسقم، إني أرثي لك" (السكرية ص 226).

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.