المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبدالسلام حيدر  Headshot

كشك الفتاوى الفلسفية!

تم النشر: تم التحديث:

أتعجب جداً عندما يقول لي طلبة في طب أو هندسة إنهم يريدون تغيير التخصص للعلوم الإنسانية، ويسألونني عن أفضل طريق لتحقيق ذلك.

الحقيقة عندما أجد مثل هذه الرسائل فإنني أفزع وأتمنى أن أنادي عليهم بأعلى الصوت "ارجع يا ولد. أنت لا تفهم أنك بدراستك للطب أو الهندسة على أفضل طرق التفلسف والعلوم الإنسانية. أنت تحتاج فقط أن تفهم ما سأقوله لك الآن!".

الفلسفة كما يقول الفارابي في "تحصيل السعادة" هي "علم العلوم، وحكمة الحكم، وصناعة الصناعات". وهي "منهج" في التفكير وليست بدين ولا عقيدة، بل هي مجرد وسيلة أو أداة أو طريق يسلكه المرء لبلوغ الحقيقة التي يتمناها.

وهذا المنهج كما يقول الأهواني كان المرء يكتسبه قديماً من ممارسة العلوم التجريبية كالطب والهندسة وغيرهما.

ولاحظ أن العرب قبل الإسلام لم يكن لهم في الفلسفة، بداية لأنهم لم يبرعوا في العلوم التجريبية، ولم يهتموا بأدوات الحضارة اللازمة لقيام فلسفة ما مثل التدوين والتأليف لحفظ ما وصل إليه كل جيل للاعتماد عليه وتنميته.

فلما ظهر فيهم الإسلام بعث فيهم حياة جديدة ونقلهم من الحياة القبلية إلى أفق إنساني أرحب، وكونوا حضارتهم الخاصة، وتبحروا في شتى العلوم، ترجموها ونقدوها وصححوها ووضعوا فيها نظريات وقوانين جديدة تنظمها وتطورها، وهذه التنظيرات هي ما نسميه فلسفة العلوم.

وقد ارتفعوا بهذا من العلم وتنظيره إلى الفلسفة التي هي كما قال الفارابي قبل قليل "علم العلوم، وحكمة الحكم، وصناعة الصناعات".

فالفلسفة نشأت وتطورت على أساس من العلوم التجريبية (طبية ورياضية وطبيعية)، بل إن ترتيب هذه العلوم لدى القدماء يجعل العلوم الرياضية أهم مدخل لطرق التفلسف، ولذا كتب أفلاطون على باب الأكاديمية: "من ليس مهندساً فلا يدخل علينا". وهو يقصد أن الهندسة عمليات رياضية مجردة ولا مكان فيه للأوهام والأساطير، ببساطة لأن (1+1=2) وليس أربعة أو خمسة أو غير ذلك.

وعندما ينتبه المرء ويتخذ الفكر الرياضي المجرد من الأوهام والأساطير منهجاً وطريقاً يمكن له أن يدخل أكاديمية أفلاطون ويتعلم الفلسفة لديه!

وهذا الطريق هو ما فهمه الفلاسفة الكبار في إطار الحضارة العربية الإسلامية، وهو طريق يبدأ بالتفوق في أحد العلوم الطبيعية التي تدرس الموجودات أو المخلوقات إن شئت ثم الارتقاء منه إلى الفلسفة ثم إلى العلم الإلهي (الإلهيات) الذي يبحث وجود الخالق (أو العقل الأول كما يطلق عليه بعض الفلاسفة).

ولذا كان أرسطو يقول إن العلم الإلهي (الإلهيات) هو تاج الفلسفة وأشرف جزء منها.

وفي الفلسفة الإسلامية واليونانية من قبلها لم يكن يشتغل بالإلهيات إلا مَن فرغ من النظر في أحد العلوم الطبيعية المختلفة (كالطب والهندسة والفلك..). وفرغ منها تعني تدرب عليها ومهر فيها وطبقها ونظّر لها أي كتب في فلسفتها.

لهذا عندما تنظر في تاريخنا الحضاري تجد أن كل فيلسوف كان في الوقت ذاته عالماً بأحد العلوم التجريبية (طبية وطبيعية ورياضية)، أي أنهم كانوا بداية مهرة في أحد العلوم التجريبية ثم ارتقوا منه إلى الفلسفة، فالفلسفة العليا.

فالكندي برع في العلوم الرياضية، وكان يعد من أعظم علماء الفلك في عصره، والفارابي نبغ في الرياضيات والموسيقى، والبيروني نبغ في علم الهيئة والأنثروبولوجي، وابن سينا طبقت شهرته الآفاق كطبيب، وكذلك كان ابن رشد طبيباً ماهراً.


وبسبب اختلاف العلوم التي تفوقوا فيها اختلفت أيضاً طرائقهم الفلسفية، فالكندي والبيروني لاعتمادهما على الرياضيات كانت فلسفتهما ذات صبغة رياضية تسلك سبل البراهين الرياضية.

أما ابن سينا وابن رشد وكانا كما سبق من الأطباء فقد اتجهت فلسفتهما وجهة تجريبية أكثر منها رياضية، ولذا كانت تحكمهما طريقة التجارب والمشاهدات وملاحظة الوقائع واستخلاص القوانين التي تحكمها.


ففي نطاق الحضارة العربية الإسلامية لم يشتهر بالفلسفة إلا مَن تبحّر في علم من العلوم الطبيعية التجريبية.

بالطبع ليس كل عالم بأحد العلوم يصبح فيلسوفاً؛ لأنه قد يقف عند حد علم معين يختص به ويمارسه ولا يزيد على ذلك.

وفي كتاب "الفهرست" لابن النديم تجد أسماء لأطباء ومهندسين وكيميائيين كثر، ولكنهم ليسوا بفلاسفة.

المهم أن طرق التفلسف تبدأ بمحاولة فهم العالم من خلال واحد أو أكثر من العلوم التجريبية، ثم الانتقال لفلسفة هذه العلوم بدراسة وصياغة مجموعة القوانين المنظمة لهذه العلوم، وهذا الارتقاء من العلم لفلسفة العلم هو علامة التفلسف.

ومن ثم تأتي محاولة الارتقاء لفهم ما وراء هذا العالم الظاهر من خلال علم الإلهيات.

وكما نعرف فإن قصة الفلسفة في الإسلام لا تختلف كثيراً عن قصتها في المسيحية، سواء في النشأة أو الازدهار أو في الانحدار والموت.

وهذا ما كان يفهمه فلاسفتنا قديماً أيضاً، ولذا يقول الشهرزوري على سبيل المثال: "كانت الفلسفة ظاهرة قبل المسيح في اليونانيين، فلما تنصرت الروم منعوا عنها وأحرقوها وحرموا الكلام فيها، إذ كانت في الظاهر ضد الشرائع النبوية" (نزهة الأرواح وروضة الأفراح).

ويشبه هذا ما حدث أيضاً للفلسفة خلال العصور الإسلامية، حيث حاربها السلفيون وحرموا الاشتغال بها وحكموا عليها بالكفر وقالوا: "من تمنطق فقد تزندق". وانتهى الأمر كما نعرف باندحار الفلسفة وزوال الإبداع العلمي ومن ثم بدأت عصور التقليد الذي يبرع فيه السلفيون، وفي النهاية كان هذا التخلف الذي نعانيه.

والأمر كما ترى متشابك بين الفلسفة والعلوم الطبيعية التجريبية، وما وقف تيار البحث العلمي والنظر في الطبيعيات والرياضيات حتى هوت الفلسفة تبعاً لذلك، ببساطة لأنها فقدت الأرض التي تعتمد عليها.

ورأيي أن العرب والمسلمين لن يتيسر لهم استئناف القول الفلسفي الخاص بهم دون إعادة تجذير العلوم التجريبية عندهم واستقرارها وتراكمها مرة أخرى.

وأنت بدورك - أقصد مَن سألوني - لن تفهم العلوم الإنسانية خاصة الفلسفة إلا إذا برعت في أحد العلوم الطبيعية كالطب والهندسة.

فامسك نفسك وركّز في دراستك ولا تجعل عدم الفهم يفسد تفكيرك ويزين لك خلاف الحقيقة.

تفوّق في طبك وفي هندستك تكن على أفضل طرق التفلسف.. والله أعلم!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.