المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

عبدالرحمن سامي شكري Headshot

آسف شيخي

تم النشر: تم التحديث:

علی الاعتياد داهمتني ساعة الإمساء بمشاهد الحسرة والندم، كما يقولون، أضيف فقط أنها ساعة من ساعات الموت غير المشهود؛ إذ أنا القاتل والمقتول في ذلك، ربما غمست قلمي اليوم في ورقي كي أشهده علی جريمتي، أو أني أريد أن يكون مشهوداً علی غير الإلف.

الرائحة التي تسلبني حين دخولي إلی المسجد مخبرةً أني الآن هارب من هذا العالم الذي يعدو تلك الأعتاب، إنه الزهرة التي أشتمها في اليوم خمس مرات، ربما أزيد في ذلك، علی الأحق أن أقول: لربما لا أنتشي غيرها في أكثر يومي.

استهلالتك ذات الوجه الضحوك في هيئة البسمة منزوعة الشوائب، يسبيني بضع ثوانٍ كيفية نضح نقاء قلبك عليه، حديثك الذي لا أمله بتباين العناوين وتداخلات الأمور به، لا نية لبدئه، لا مقدمات ولا خواتيم، فقط هو الحديث عن.. عن اللامحدد.

أجلس متسمراً لفصاحة ما أرنو وبليغ ما يختلجني، ثم في إطالة أسألك: وماذا عن ذلك الضعيف شيخي؟ مَن أرهقته شِقوته وأجارت عليه نفسه، فتجيبني في جملة وجيزة طبعت بختم أن لا محو لها "قوِّ ضعفك بالله يا عبد الرحمن"، ثم في حين لست أعلمه أتملص منه بإسهاب في كلمي؛ لأني اليوم قد أتيت بحفظ ضعيف عن تقصير مني نعود لأصوات التراتيل المتلعثمة التي قد زينت المسجد في جلستنا، وفي قول خاطف جاذب للأسماع تزوره بهجتنا بمزيج الدهشة، أن قد سمعت مَن يقرأ بعيداً عنك يلحن تجويداً "أين الغنة يا ولد؟!"، فتتعالی ضحكاتنا.

أذكر أنها تتصبغ بفرط الحركة حتی تبلغ ذروتها حينما تعلن أننا اليوم سنختم بلعبة "المنديل" مستخدماً غطاء رأسك في ذلك.

تأتي نهاية الأسبوع كي تعطی هدايا ورقة الصلاة والأذكار والسنن لأصحاب المراكز الأولی، كم كانت طريقةً ناجحةً بارعة لإيقاد الحماس على الطاعة والتحفيز في حداثة الأعمار لأشبال في مهد طريق النجاة يميلون بسجيتهم إلى التحايل والتكاسل عن فعل طاعة؛ لأن طاقتهم تحفظ وتدخر لألعاب اليوم.

لا أزال أذكر تلك الرائحة التي تعطينيها والمصحف الملون ذا التفسير الموضوعي لتيسير الحفظ والفهم به. "قم فأذّن" صارمة هي، لينة علی قلب مَن وقعت عليه، أترقبها منك بحياء عند السؤال؛ لأني أعلم كم تحب الأذان وتترقب ثوابه، أكتم علی فرحي حين تأذن لي فيبين في ارتجافي وتعثر صوتي.

بالأمس قابلت صديقي محمود، تحدثنا، تحدثنا كما لم نتحدث من قبل شيخي، تحدثنا وما هو بالحديث، إنما هو عناق الكلم شيخي، تطرق أبوابه لفحات اللوم والعتاب، ثم يأتي ربيع الذكرى والنصح الرشيد.

قال لي في غير كلفة: إنه يفتقدك شيخي، وإنه يخشی أن تحول الدنيا بيننا، فلا نلتقي كما صرنا لا نلتقي، ألا يجمعنا مسجد الزاوية من جديد، وألا نرتل في حلقة يوم عرفة ثم يضمنا إفطار الأحبة، ألا نتصافح بعد صلاة العيد كمن جاء من سفر بعيد، يخشی أن نغدو غرباء كما بتنا كذلك، لكنه أخبرني أن أكون موضعاً لأولئك، مَن إذا سرقتهم الأيام منا وجدناهم بنا، آمنين مطمئنين بهم.

وأنا كذلك شيخي.. تأوهت قليلاً، ألقيت على كتفه بعض الأسى، ثم جعلت أذكر يوم الجمعة، حين اللقاء، يوم رفع رايات البسمة على أرض الوجوه، يوم إفطار الجبن برقائق الخبز محشوةً بجميل حديثك، وذكرت له، ذكرت أنا أضعنا كل ذلك.

في الحديث عن الأيام أماطل خشية الاصطدام بمثل ما سردت شيخي، لا يرهبني أكثر من بوح هو حجة عليَّ، يناظرني فيحاججني بفعلي، يسائلني فيجيبني بالصفع لوضيع سؤلي، يحاكمني فيقضي أن الهلاك مصير المتخلي.

علمتني شيخي أن الهزائم صنعة البليد ذي الخطی العرجی، أن مَن قرر الرقود رقد فأذله الله، ومَن ابتغی العلا فأحسن أعلاه الله، وأن خسران الدين هو الخسران المبين، لا تخشَ حبيبي لن أنسى كل هذا وإن بدلتني الأيام وأضفت عليَّ بعض الألوان الجديدة، فلقد زرعت في ما لا تقتلع جذوره ولا تنقض شجرته.

اليوم أدوّن أني قد أضعتك شيخي، وأني من سقتني إلی الهلاك، اليوم أقص جريمتي وغداً يشهد قلمي ببعض من التأريخ منه.

آسف.. آسف شيخي، ومعلمي، وأبي، وأخي، وصاحبي وكل جميل على كل غياب لي في حضورك، على كل معلومة فاتتني منك فكتب عليَّ أن أبيت سجيناً لجهلي، آسف على فلسفتي الساذجة في حججي الباطلة بفرضية الغياب عليَّ.

لم أكبر شيخي حتى أنقطع عن حلقات الحفظ والتجويد وأكتفي بكليتي عنك، ولست بذي العلم الذي يغنيه عن السماع إليك والأخذ عنك، لا والله ما كنت وما كان لي أن أكون، تالله إني لا أزال طالبك الصغير ينتحي نحوك ذا الهدي القويم.
"آسف شيخي".. أظن أن لساني لن ينقطع عنها أيضاً.
سأحكي لأبي عنك، لمعلمي "في تفاخر"، للصبية كي لا يضيعوا مثلك إن وجدوا، سأحكي عن تمسكك بنا حين أفلتناك، عن وجودك في حظر الحضور، سأحكي كما أحكي اليوم.
بالمناسبة شيخي.. آسف على اضطراب كتبي ورديء نظمي.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.